24 Jul 2026
Like this post
لم يكن مشهد أداء أعضاء مجلس الشعب السوري الجديد القسم الدستوري في دمشق، واعتماد رئاسته وهيئته، مجرد تدبير إداري لملء فراغ سياسي تنظيمي؛ إنه لحظة مثقلة بالآمال والمخاوف في آن واحد، خطوة متسارعة تعيد وضع البلاد على خارطة الاستقرار المؤسساتي بعد سنوات طويلة من الدمار والتيه. السوريون الذين أنهكتهم الحروب والنزوح ينظرون اليوم بقلوب وجلة إلى هذا الصرح، يتساءلون إن كان سيحمل لهم الأمان الذي طال انتظاره، أم أن التوافق الظاهر على السطح يخفي في أعماقه عواصف جديدة. هذا البرلمان يمثل مواجهة حقيقية بين ترتيب الأوراق المنظم فوق الطاولة السياسية، والتشابك الفكري المعقد الذي يطبخ في الكواليس.
فوق الطاولة، تبدو المهمة التشريعية محددة ومحفوفة بآمال الشارع؛ إذ يستهدف المجلس الجديد بالدرجة الأولى تركة الماضي الثقيلة في سلك القضاء، ساعياً لتفكيك بنيان الفساد والمحسوبيات التي غيبت العدالة لعقود طويلة. إن صياغة سلطة قضائية مستقلة قادرة على محاسبة أي مسؤول، وتوفير بيئة قانونية ناظمة لإعادة الإعمار والعدالة الانتقالية، هي حلم يداعب مخيلة كل مواطن تجرع مرارة الظلم. غير أن تفكيك هذه البيئة يواجه واقعاً فكرياً شديد الحساسية يعتمل في عمق المجتمع السوري، ويصعب القفز فوق توازناته.
تحت الطاولة، يتبلور استقطاب صامت بين رؤيتين لإدارة الفضاء الديني؛ تيار يميل إلى الوسطية والاعتدال، مشكّل من حلف يجمع الأشعرية والصوفية والمداخلة، يرى ضرورة التركيز على الفقه وحفظ دماء المجتمع وتجنب الصدام مع الدولة المدنية الناشئة. في المقابل، يبرز تيار السلفية الجهادية الذي يرى في المشهد الحالي محاولة لإقصائه وتهميشه، على الرغم من أنه شكل الخزان العسكري والمادة الحيوية للقتال الميداني على مدار خمسة عشر عاماً. هذا التوجس تعمق بوضوح بعد التعيينات الأخيرة، لاسيما صعود شخصية تنتمي للمدرسة الأشعرية (الشيخ الرفاعي) إلى منصب مفتي الجمهورية، وتعيين شكري أبو الخير وزيراً للأوقاف، وهو ما اعتبرته الفصائل الجهادية تقديماً متعمداً لمدرسة فكرية ترفض الصدام وتدعو للتماشي مع السلطة والمجتمع الدولي.
أمام هذا التموضع، بدأت المرجعيات الفكرية للتيارات السلفية بإشهار ترسانتها الفقهية، وأصدرت منصاتها فتاوى تصاعدية وصلت إلى حد “تكفير الدستور” والعملية السياسية برمتها، مستندة إلى أدبيات الحاكمية وتطبيق الشريعة. الدستور الجديد في نظر هذه المجموعات يظل دستوراً وضعياً لأنه يكرس مفهوم الجمهورية والحدود الوطنية، ويسقط أفكار الجهاد العابر للحدود وإقامة الحدود بالمفهوم التقليدي، وهي المبادئ التي بذل مقاتلوها أرواحهم وثبتوا عليها في الخنادق. الحراسة الأمنية المشددة التي طوقت جلسة البرلمان تعكس استشعار السلطة لخطورة هذا الشرخ، وتخوفها من انشقاقات ميدانية قد تعصف بوحدة الفصائل الثورية أو تؤدي إلى خسارة دعم جهات إقليمية طالما نظرت للمشهد من منظور عقائدي.
المعضلة الكبرى التي تواجه التجربة السورية الوليدة هي كيفية التعامل مع الفكر المتأصل الذي لا يمكن محوه بالأدوات الأمنية التقليدية. ملاحقة الخلايا وتفكيكها عبر الاستخبارات قد ينجح في ضبط الأمن مؤقتاً، لكنه يعجز عن اقتلاع الجذور العقائدية الكامنة في النفوس والتي تغذت على سنوات من الدماء والتضحيات. العبور بسوريا نحو بر الأمان سيتوقف على القدرة في صياغة معادلة فكرية وتنموية شاملة تستوعب احتقان الشارع، وتنجح في تحويل شرعية البندقية القديمة إلى شرعية المؤسسات والقانون، لحماية هذا الوطن من الانزلاق مجدداً إلى مستنقع الاحتراب الداخلي.