متى يجيء المسيح إلى غزة؟

متى يجيء المسيح إلى غزة؟

إنّ تغيبي عن كتابة المقالات منذ فترة، لهو المقال الأبلغ في حياتي، إذ إنني في حرب مستمرة مع الشمس التي تحرق جلدي، بعد محاولات بائسة في الاستظلال أسفل قطع نايلون سخيفة،
فلا أملك بيئة ولا مكتباً ولا بالاً هادئاً… وقد رصدتُ أثر ذلك على لغتي التي صارت حادةً وجريئةً، وطارئة… فكيف أزين لكم فكرة لا أملك لها وقتاً؟ وكيف أنضج مقالاً كاملاً وعقلي يغلي في حرارةٍ لا نملك في مواجهتها أقل الأدوات: فلا سقف من الباطون، ولا مروحةً، ولا كهرباء بل هو العراء، وأنت وجه لوجه مع الطبيعة.

ألا تكفي تلك المقدمة في إخبارك عن واقع غزة؟
غزة التي تركوها لمصير مجهول، يختزله الساسة والإعلاميون بفترة من الوقت، بينما يعيش الغزيّ أدق تفاصيله، في معركة مع عقله الذي سقط رهين اليأس الذي يحرّم عليه سؤالاً بسيطاً، مرسوماً بكلمتين: “إلى متى؟”.

إلى متى يعيش الغزيّ مع حالة نزوح قاسية، جعلت من الظلّة أمنية، وجعلت من الفئران والجرذان والنمل والذباب والبعوض شركاء لا يفارقون، إلى متى؟
إلى متى يرصد الغزيّ عذاباته التي صارت فجأةً رصيداً مالياً عالياً لتاجر فلاني هنا أو هناك؟
إلى متى يقف الغزيّ عاجزاً أمام الانتكاسة التي تعيد الجاهلية الأولى إلى حضن المجتمع، فلا ضير من الاستقواء بالعشيرة، ولا ضير من سحق الضعيف، أو استغلال العامل، أو تذويب الفرد في قالبٍ رثٍّ وقديم لا يصلح إلا في بقعة الخراب المسمّاة (غزة).
إلى متى؟
إلى متى يظلّ الغزي مادةً استثماريّةً يتغذى عليها لصوصٌ من أبناء الجلدة، أو لصوص من أبناء الأحزاب، أو لصوصٌ من بقاع الأرض جذبتهم مآسي غزة التي تشكل رأس مالٍ لا يمكن أن يخسر.
إلى متى؟

غزة تعيش في فظاعةٍ اجتماعية، حيث أصبح مبرراً للحقير حقارته، وللعنيف عنفه، وقطعة السلاح صارت حجّةً قاهرةً للألسن، ومغيّبة للحق.
غزة تعيش واقعاً تعليمياً متهالكاً، يفسح المجال لتحويل العلم أداة تربّح وتكسّب.
غزة تعيش وضعاً اقتصادياً مأزوماً جعلت من الموظف متسولاً.
وكثير من أبناء غزة يعيشون مجاعةً يخجلون منها، لأنها تلفت الأنظار إلى جيوبهم المرقوعة، وكيف لغزيّ أن يملك شيكلاً بعد أن باع أسفله وأعلاه في مواصلة نزوح أو في ثمن كيلو طحين أو في علاج لمصاب، كيف؟

فماذا ينتظرون لغزة التي تصدّر للعالم مصابين دون أن يجدوا دولاً مستضيفة؟
غزة في معركة مع الوجود، غزة في حنك العدم، فماذا يا غزة يحاك لكِ، وقد حال بك أحلك ما يمكنُ أن يحاك؟
أم أنها ضريبة النجاة المزيفة؟