15 Aug 2026
Like this post
في لبنان، لا تبدأ السياسة دائماً من صندوق الاقتراع، ولا تنتهي عند أبواب البرلمان.
أحياناً، تبدأ من طاولة عشاء، من نقاش بين صديقين، من جملة قيلت بانفعال، ثم تمتدّ بصمت إلى علاقة بُنيت على سنوات من الذكريات والثقة والعِشرة. هنا، حيث لا يزال الانتماء السياسي متشابكاً مع العائلة والمنطقة والذاكرة الجماعية والخوف والمصلحة والهوية، قد لا يكون السؤال “إلى أي حزب تنتمي؟” مجرد سؤال عن موقف سياسي، بل عن موقع الشخص في خريطة اجتماعية كاملة.
لم ولن ، تكن الانقسامات السياسية مجرّد خطوط تفصل بين الأحزاب ومناصريها، بل تسلّلت إلى المساحات الأكثر حميمية في حياة الناس. أصدقاء كبروا معاً، جلسوا على المقاعد الدراسية نفسها، احتفلوا بنجاحات بعضهم ووقفوا إلى جانب بعضهم في الخسارات، قد يجدون أنفسهم، في لحظة سياسية حادّة، عاجزين حتى عن الجلوس إلى الطاولة نفسها.
يبدأ الأمر باختلاف، يتحوّل إلى سجال، ثم إلى اتهام، قبل أن يصبح الصمت أسهل من الحوار، والابتعاد أقل كلفة من محاولة فهم الآخر.
لكن ما الذي يحدث فعلاً عندما يصبح الحزب أقوى من الصديق؟
وكيف يمكن لشعار سياسي أو زعيم أو موقف من حدث معيّن أن يهزم تاريخاً شخصياً كاملاً بين اثنين؟ المسألة قد تكون أعمق من اختلاف في وجهات النظر، لأن السياسة في مجتمع شديد الاستقطاب لا تبقى دائماً رأياً نحمله، بل قد تتحول إلى جزء من الطريقة التي نعرّف بها أنفسنا ونرى من خلالها الآخرين.
حين يصبح الحزب هوية
الاختلاف السياسي بحدّ ذاته ليس المشكلة. فهو جزء طبيعي من أي مجتمع تعددي ومن أي علاقة بين شخصين يمتلك كل منهما تجربته وقناعاته. لكن الأزمة تبدأ عندما يتوقف الموقف السياسي عن كونه فكرة قابلة للنقاش، ويتحول إلى امتداد للهوية الشخصية. عندها يصبح الفصل بين الفرد والحزب أكثر صعوبة، وقد يُفهم نقد الزعيم كأنه هجوم على مناصريه، وانتقاد الحزب كأنه إهانة لبيئة اجتماعية كاملة.
وفي لبنان تحديداً، لا تتكوّن الخيارات السياسية دائماً بمعزل عن التاريخ الشخصي والعائلي. فبعض الانتماءات تنتقل اجتماعياً وعاطفياً من جيل إلى آخر، وتتشابك مع روايات عن الحرب والخوف والخسارة والحقوق والانتصارات. يكبر الفرد أحياناً داخل تفسير محدد للبلد ولتاريخه ولـ “الآخر”، فيصبح التشكيك في موقفه السياسي، بالنسبة إليه، تشكيكاً في جزء من الرواية التي بنى عليها فهمه لنفسه. هنا تصبح الصداقة أمام امتحان أصعب من مجرد الاختلاف:
هل يستطيع الإنسان أن يفصل بين صديقه وبين الحزب الذي يؤيده؟
وهل يستطيع أن يرفض موقفه من دون أن يرفضه هو؟
من الاختلاف إلى الخصومة
في لحظات الاستقطاب السياسي، يمكن للمسافة بين “أنا لا أتفق معك” و”أنت ضدي” أن تصبح قصيرة جداً. فالنقاش لا يبقى دائماً حول برنامج اقتصادي أو قانون أو أداء سياسي، بل ينتقل سريعاً إلى تصنيف الأشخاص أنفسهم: هذا معنا، وذاك ضدنا. وحين تسيطر هذه الثنائية، يصبح الصديق عرضة لإعادة التصنيف وفق موقفه السياسي. سنوات المعرفة الشخصية قد تتراجع أمام موقف واحد، ويصبح الانتماء الحزبي عدسة يُقرأ من خلالها الإنسان بأكمله. فلا يعود السؤال “ماذا تعتقد؟”، بل “مع من تقف؟“.
وهنا تكمن خطورة الاستقطاب: فهو لا يكتفي بأن يطلب من الفرد اتخاذ موقف، بل قد يدفعه إلى تحديد موقع كل من حوله وفق هذا الموقف. يصبح الحياد موضع شك، والنقد استفزازاً، والاختلاف تهديداً للانتماء. وبذلك ينتقل الخلاف من مواجهة بين فكرتين إلى مواجهة بين هويتين.
السياسة على الشاشات
جعلت وسائل التواصل الاجتماعي هذه الانقسامات أكثر حضوراً في العلاقات اليومية. فالخلاف الذي كان يحدث سابقاً داخل جلسة خاصة أصبح اليوم علنياً ومتواصلاً. منشور، صورة، تعليق، مشاركة خطاب سياسي، أو حتى تفاعل مع محتوى معيّن، قد يكون كافياً لإعادة إشعال خلاف قديم. والمنصات لا تعرض المواقف السياسية فقط، بل تجعلها جزءاً دائماً من الصورة التي يقدمها الفرد عن نفسه. قد يعرف الصديق مواقف صديقه من عشرات القضايا من دون أن يجلس معه لمناقشتها. يراقب ما ينشره، ومن يدافع عنه، ومن ينتقده، ومع الوقت قد تتراكم الأحكام والانطباعات قبل أن يحدث أي حوار حقيقي. كما أن النقاش أمام جمهور يختلف جذرياً عن الحوار بين شخصين. فحين يدخل الأصدقاء والمتابعون إلى السجال، قد يصبح التراجع أصعب، ويتحوّل الدفاع عن الرأي إلى دفاع عن الصورة أمام الآخرين. عندها قد تبدأ المشكلة بخلاف سياسي صغير، وتنتهي بعلاقة شخصية تدفع ثمن معركة دارت أمام الجميع.
قطيعة بلا ضجيج
لكن السياسة لا تفرّق الأصدقاء دائماً من خلال شجار كبير. بعض الصداقات تنتهي بطريقة أكثر هدوءاً: رسائل أقل، لقاءات مؤجلة، دعوات لم تعد تصل، ومواضيع يتعلم الجميع أن الاقتراب منها قد يفجّر الجلسة. لا توجد لحظة واضحة يمكن الإشارة إليها والقول إن الصداقة انتهت هنا. فقط تتسع المسافة تدريجياً. وقد تنقسم مجموعة أصدقاء كاملة إلى مجموعتين، لا بسبب مشكلة شخصية مباشرة، بل لأن التوتر السياسي جعل الاجتماع في المكان نفسه مرهقاً. وهذه القطيعة الصامتة ربما تكون أكثر دلالة من المشاجرات العلنية، لأنها تكشف قدرة الانقسام السياسي على إعادة هندسة العلاقات اليومية من دون قرار واضح. حين يبدأ الناس باختيار جلساتهم وأصدقائهم وحتى مواضيع أحاديثهم على أساس سياسي، تكون السياسة قد تجاوزت المؤسسات ووصلت إلى أكثر تفاصيل الحياة خصوصية.
أبعد من الأحزاب
مع ذلك، قد يكون تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية هذه القطيعة تبسيطاً للمشهد. فالأحزاب تعمل داخل مجتمع يحمل ذاكرة سياسية ثقيلة وانقسامات تاريخية لم تُحسم بالكامل. انتهت الحرب عسكرياً، لكن الكثير من رواياتها المتناقضة بقي حاضراً في البيوت والعائلات والخطابات والذاكرة الجماعية. لذلك، قد يبدو الشجار بين صديقين متعلقاً بحدث سياسي آني، بينما تقف خلفه أسئلة أقدم بكثير:
من كان الضحية؟
من كان المسؤول؟
من يهدد من؟ ومن يملك الحق في رواية ما حدث؟
بهذا المعنى، لا يصبح السؤال فقط:
لماذا تفرّق السياسة الأصدقاء؟
بل لماذا تجد السياسة أرضاً اجتماعية تسمح لها بالدخول بهذه القوة إلى العلاقات؟
ولماذا يصبح الانتماء إلى الجماعة، في بعض اللحظات، أقوى من المعرفة المباشرة بالشخص المقابل؟
حين يمسّ الخلاف القيم
في المقابل، ليس من الدقة اعتبار كل قطيعة سياسية دليلاً على التعصب. فليست جميع المواقف السياسية متساوية بالنسبة إلى الناس، وبعضها يرتبط مباشرة بقضايا أخلاقية وإنسانية وحقوقية أساسية. وقد يكتشف شخص، من خلال موقف سياسي لصديق مقرّب، أن الاختلاف بينهما يتجاوز الانتخابات والأحزاب ليصل إلى منظومة القيم نفسها.
لذلك، لا يمكن مطالبة الناس بالحفاظ على جميع علاقاتهم تحت شعار أن “السياسة لا تستحق خسارة الأصدقاء”. أحياناً لا تكون المشكلة في اسم الحزب، بل فيما يمثله موقف ما بالنسبة إلى أحد الطرفين. لكن الفارق يبقى بين إنهاء علاقة بسبب اختلاف جوهري في القيم، وبين تحويل كل اختلاف سياسي إلى سبب للإقصاء. فالمجتمع الذي لا يستطيع أفراده التمييز بين رفض الفكرة وإلغاء صاحبها، يصبح أكثر عرضة لأن تتحول السياسة فيه من مساحة للنقاش إلى أداة لتقسيم الناس.
من ينتصر في النهاية؟
المفارقة أن التحالفات السياسية نفسها قد تتغير أسرع من العلاقات التي دمّرتها. سياسيون يتخاصمون ثم يتصالحون، أحزاب تعقد تسويات بعد سنوات من المواجهة، وخصوم يجلسون إلى الطاولة نفسها عندما تفرض المصالح ذلك. أما الصديق الذي خرج من حياة صديقه بعد شجار سياسي، فقد لا يعود. وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات الانقسام قسوة: ما تتعامل معه القوى السياسية كخصومة مرحلية، قد يعيشه مناصروها كقطيعة شخصية دائمة.
في النهاية، ليست حكاية “الأصدقاء الذين فرّقتهم الأحزاب” مجرد قصة عن أشخاص لم يتفقوا في السياسة. إنها مرآة لمجتمع تصبح فيه السياسة، في أحيان كثيرة، أكبر من مساحتها الطبيعية؛ تدخل إلى البيت والعائلة والصداقة، وتعيد تعريف القرب والبعد، حتى يصبح الانتماء معياراً للحكم على العلاقة الإنسانية نفسها. ويبقى السؤال الأكثر قسوة: عندما نخسر صديقاً لأنه اختار جهة سياسية أخرى، مَن الذي انتصر فعلاً؟ الحزب الذي احتفظ بولائنا، أم الانقسام الذي نجح في انتزاع إنسان من حياتنا؟ ربما لا يُقاس نضج المجتمع بعدد الأشخاص الذين يتفقون داخله، بل بقدرته على إبقاء المختلفين قادرين على الجلوس إلى الطاولة نفسها. لأن السياسة التي لا تترك مساحة لصداقة بين مختلفين لا تعود مجرد اختلاف في إدارة بلد، بل تتحول إلى حدود غير مرئية تُرسم بين أبنائه.