30 Aug 2026
Like this post
“سنين؟ قسيت علينا؟ ونسينا؟ ولّا اتنسينا؟”
بهذه الكلمات من “نسينا”، افتتحت فرقة كايروكي ألبومها الجديد سوبرنوفا، وافتتحت معي أياماً لم أتوقّع أن أقضيها بهذا الشكل. سقط الألبوم عليّ من دون سابق إنذار، ليذكّرني بشخصيتي الإدمانية حين يتعلّق الأمر بالموسيقى؛ أسمع الأغنية مرة، ثم أعود لالتقاط جملة فاتتني، ثم ثالثة لأن الجملة نفسها أصابت مكاناً أعرفه، وبعدها أتوقّف عن العدّ.
عادت كايروكي بعد غياب امتدّ سنوات، قبل أيام من عيد ميلادي التاسع والعشرين. وفي توقيت كهذا جاءت أغنية “أنا بكبر” كأنها تعرف عمري مسبقاً. التاسعة والعشرون عمر غريب، قريب بما يكفي من نسخك القديمة لتتذكّرها، وبعيد بما يكفي لتعرف أنك لن تعود إليها. تبدأ بجردة مختلفة، أشخاص كنت تراهم يومياً أصبحوا أسماء على شاشة، صداقات انتهت بالتآكل لا بشجار أخير، أماكن بقيت وفقدتَ النسخة التي كنتها فيها، وأحلام قديمة يحرجك مقدار ثقتك بأنها ستحدث.
منذ صدوره، تسلّل الألبوم إلى تفاصيل يومي.
أشعل سيجارتي وأكتب في البيت على وقعه، فأرفع رأسي أحياناً لأن جملة قطعت أفكاري. أتركه على التلفزيون بينما ينطفئ النهار خلف النوافذ، ثم آخذه إلى الغرفة على الهاتف. أضع السماعات في العمل، فيصنع صوت أمير عيد مسافة بيني وبين الضجيج. وفي السيارة، يبتلع الصوت الطريق؛ تتراجع الإشارات والواجهات خلف الزجاج، وأقود للحظات كأن المدينة صارت مشهداً وأنا الوحيد خارجه.
والآن، فيما أكتب، أستمع إلى أنا فاضل. وقبل قليل، بينما كنت أتناول دوائي للوسواس القهري والاكتئاب، مرّ الحوار مع الطبيب عند جملة “وفيه دوا حنكرره تاني”، جملة تحمل ذلك الإحساس الثقيل بأن الشفاء يبتعد، وأن الأدوية تتحوّل مع الوقت إلى جزء دائم من الحياة. دواء في يدي، والكلمات تصدح من مكبّرات التلفزيون، فيما تحوّلت مصادفة عابرة إلى واحدة من أكثر لحظات الألبوم قرباً مني.
كما أنه من الصعب جدا اختزال سوبرنوفا بهذه الأغاني فقط، لكن يا ليت لديّ المساحة لأمنح كل أغنية حقّها بالتفصيل، فذلك يحتاج إلى نصوص طويلة، وربما حلقات كاملة، لا إلى بضعة أسطر.
لكن أكثر ما أثارني حدث خارج سماعاتي. حيث امتلأت مواقع التواصل بأغاني الألبوم. كما ظهر أمامي غرباء يضعونها على صورهم وطرقاتهم وذكرياتهم وعلاقاتهم. شاركها أصدقاء لي، واستعار آخرون كلماتها ليقولوا أشياء لم يكتبوها بأنفسهم. وجوه وحكايات مختلفة، والموسيقى نفسها.
كلنا سمعنا الجمل نفسها، لكن كل واحد وضع داخلها اسماً مختلفاً. الغياب عند أحدهم حبيب، وعند آخر صديق، وعند ثالث أب، وعند رابع مدينة تركها. وأغنية عن الكِبر قد تجد شخصاً عند الثلاثين، وآخر بعد الأربعين، وثالثاً تعيده إلى مساء قديم لم يكن يعرف، وهو يعيشه، أنه سيشتاق إليه يوماً.
حتى الحزن، الذي نعامله كأنه ملكية شديدة الخصوصية، يتبيّن أنه مكان مزدحم.
نلتقي في التفاصيل الصغيرة. سيجارة تحت ضوء القمر، طريق نطيله قبل العودة إلى البيت، أغنية نعيدها كي نبقى قليلاً داخل شعور نعجز عن شرحه، محادثة قديمة نفتحها من دون أن نكتب شيئاً، أو كلمة تقلب يوماً كاملاً لأنها أعادت شخصاً إلى الذاكرة.
ربما لهذا عبر سوبرنوفا الحدود بهذه السرعة. لم يجعل حكايات الناس واحدة، بل كشف تشابه ما تتركه الحكايات المختلفة فينا. لكل واحد منّا شخص مختلف افتقده، وجرح مختلف يحمله، وشيء انتهى قبل أن يستعد لانتهائه.
وهذا أجمل ما فعله الألبوم الذي أعطى آلاف الأشخاص الكلمات نفسها، وترك لكل واحد منهم حكايته.
وفي الختام، كما ختم أمير عيد الألبوم. نحب أشخاصاً مختلفين، نخسرهم بطرق مختلفة، نكبر في مدن مختلفة، ونعود ليلاً إلى بيوت مختلفة. ثم تأتي أغنية واحدة، فيضعها كل واحد منا في سماعاته ويجلس وحيداً مع ما تبقّى له.
ومن دون أن يعرف أحدنا الآخر، نتشارك الحزن نفسه.