اخترت السياسة لا قلق مستقبلها

اخترت السياسة لا قلق مستقبلها

لا يبدأ الخوف دائمًا من حدث كبير. أحيانًا يبدأ من سؤال يتكرر حتى يفقد براءته:
وماذا بعد؟
يُقال مرة في مجلس عائلي، ثم يتكرر في مكالمة عابرة، ثم يستقر في رأسك حتى يصبح صوتًا يشبه صوتك. عندها تكتشف أن بعض الأسئلة لا تبحث عن إجابة، بل تعيش معك.
ولعل هذا ما جعل خوف أهلي مفهومًا بالنسبة إليّ.
لم يكن أحد منهم يخاف عليّ لأنني أسهر كثيرًا، أو لأنني أقضي وقتي أمام شاشة مضيئة. كانوا يخافون لأنني اخترت حرفة لا تُرى نتائجها إلا بعد زمن، وربما لا تُرى أبدًا. كان خوفهم من الغد أكثر منه من الحاضر، ومن الغموض أكثر منه من التعب؛ فما يرعب الإنسان ليس الطريق الصعب، بل الطريق الذي يحجب نهايته.

درست السياسة والاقتصاد، ولم أزعم يومًا أنني كنت ألمع طلابها، ولا أنني أوتيت من الموهبة ما يعفيني من التعب. كل ما أعرفه أنني كنت أجتهد. والاجتهاد، برأيي، فضيلة أخلاقية أكثر منه وسيلة للنجاة. يمنح صاحبه راحة الضمير، لكنه لا يضمن له عقد عمل، ولا يطمئن أمًّا تنتظر أن ترى ابنها مستقرًا، بل مستقلًا أيضًا.
ربما تتفاجأ أو بالأحرى تتعجب عندما أقول إنني لا أحب الاجتهاد، أو لعل الأدق أنني أخشاه. ليس لأنني أكره التعب، بل لأن الحياة، في أغلب الأحوال، لا تكافئه.
قد تجتهد سنوات، وتبذل من الجهد ما يفوق طاقتك، ثم ترى الطريق يفتح أبوابه لغيرك بينما يواصل امتحان صبرك. عندها لا تخاف من الفشل، بل تخاف من أن يكون الاجتهاد نفسه طريقًا لا يَعِد بشيء. وليس أصعب على النفس من أن تبذل جهدًا طويلًا، ثم تجد أن الحياة اختارت شخصًا آخر.

الغريب أن السياسة لم تكن حبي الأول.
لم أكن ذلك الطفل الذي يحفظ أسماء الرؤساء أو يتابع نشرات الأخبار بشغف.
في التاسعة أو العاشرة من عمري، كانت الدنيا أوسع من الخرائط، وأجمل من نشرات الأخبار. كنت، كغيري، أبحث عن لعبة جديدة، أو مساء طويل لا يحمل سوى براءة الوقت.
لم يخطر ببالي أنني سأقضي سنوات من عمري أقرأ عن موازين القوى، وأفكك الخطابات، وأكتب عن الحروب والتحالفات، كأنني أحاول أن أفهم آلة ضخمة لا تكف عن الدوران فوق رؤوس البشر.
يومها، كان أكبر همومي أن أنجو من امتحان الرياضيات.

أذكر إشادة بعض أساتذتي بي في الجامعة، وأحتفظ بها كما يحتفظ المسافر بصورة قديمة لمدينة أحبها. كانت كلماتهم تمنحني ثقة هادئة، ولا سيما في البحث والتحليل السياسي، لكنها لم تكن جواز عبور إلى سوق العمل.
ففي الخارج، لا يسألك أحد كم أثنى عليك أستاذك، بل يسألك: أين عملت من قبل؟
وكم تقاضيت؟ وما خطتك للغد؟
وهي أسئلة مشروعة، لكنها لا ترى في الإنسان إلا سيرته الذاتية.

اليوم، وأنا في السادسة والعشرين، أشعر أن السياسة لم تعد موضوعًا أكتب فيه، بل صارت الإطار الذي أرى من خلاله العالم، وربما أرى من خلاله نفسي أيضًا. غير أن هذا الإدراك لا يبدد القلق. فالمعرفة لا تدفع الفواتير، والشغف لا يكفي وحده لبناء مستقبل واضح. لهذا أفهم خوف أهلي، ولا أغضب منه. إنهم لا يخشون السياسة بقدر ما يخشون الغموض. يخافون من طريق لا تبدو نهايته، ومن مهنة لا تَعِد أصحابها بشيء سوى المزيد من الانتظار.

وأنا أيضًا أخاف، ربما أكثر مما أعترف. أخاف من الأرقام التي تُحاصر الإنسان كل يوم؛ من عمره الذي يمضي، ومدخراته التي لا تكفي لبناء الحياة التي يحلم بها، والفرص التي تتباعد، والسنوات التي لا تعود.
للأرقام سلطة باردة؛ فهي لا تصرخ، لكنها تفرض نفسها على كل قرار. وحين تتراكم، يصبح المستقبل جدولًا حسابيًا أكثر منه حلمًا.

أدركت، بعد كل هذا، أن الخوف لا يسكن الطريق، بل يسكن الإنسان وهو يعبره. وأن الطريق الذي لا يَعِد بشيء قد يمنحنا، من حيث لا ندري، الشيء الوحيد الذي لا يُشترى ولا يُوهب؛ أن نعرف أنفسنا.
لذلك، لم أعد أطلب من الطريق أن يَعِدني، بل أن يتركني أصل إلى نهايته من دون أن أفقد نفسي في منتصفه.