28 Aug 2026
Like this post
قرأت جملة لخالد صدقة استوقفتني، ربما لأنني في الفترة الأخيرة كنت أبحث عنها، أو عن ذاتي، أو ربما عن شيءٍ يشبهني ويعبّر عن كل ما يدور في داخلي… على أيّ حال، الجملة تقول:
“لأنك لست هنا، يحدث هذا كلّه”.
عزيزي القارئ، بعد بضع كلمات، أريدك أن تغمض عينيك لخمس ثوانٍ فقط. سأقول لك متى.
لكن قبل ذلك، فكّر بذاك الشخص الذي فقدته، أو بالشخص الذي ابتعد، أو حتى بالشخص الذي لا يزال موجودًا، لكنّه لم يعد موجودًا بالطريقة التي اعتدت عليها.
تخيّله.
الشخص الذي لو كان لا يزال هنا، لكانت الحياة أقلّ وطأة على قلبك.
لو كان إلى جانبك، ربما كنت ستتخذ قرارات أقلّ قسوة على نفسك. ربما كنت ستضحك أكثر.
ربما كنت ستخاف أقل. ربما، في لحظات كثيرة، كنت ستجد من يقول لك: “لا تفعل”، أو “افعل”، أو ببساطة: “أنا هنا”.
وبعدها سأخبرك روايتي مع هذه الجملة.
أحيانًا، تكون استقامتنا، ورشدنا، وقوتنا، وحتى قدرتنا على اتخاذ القرارات الصائبة، مرهونةً بوجود شخص ما هنا، معنا، في داخلنا، إلى جانبنا.
شخص نعود إليه عندما نحتار، نختلف معه عندما نغضب، نتصالح معه عندما نهدأ. نتعارك تارةً، ونتراضى طورًا. نضحك مرّةً، ومرّةً نبكي.
أحيانًا نلعب ونلهو كالأطفال، وأحيانًا نجلس معه لنناقش أكثر الأمور تعقيدًا، كأننا نجلس أمام حكيم أو رجل دين أو عالم نفس أو أيًّا كان تعريفك أنت للشخص الحكيم.
والآن… حان الوقت، أغمض عينيك، وتخيّل، لخمس ثوانٍ فقط.
ربما ابتسمت، ربما شعرت بغصّة، ربما تذكّرت وجهًا لم تعد تراه، أو صوتًا لم تعد تسمعه، أو شخصًا تتمنى لو كان بإمكانك أن تخبره بكل ما حدث منذ المرّة الأخيرة التي تحدّثتما فيها.
أما أنا، فبعدما بكيت، قررت أن أفكر بمعنى هذه الجملة بطريقة عكسية.
ماذا لو أنّ هذا الشخص موجود فعلًا؟ ماذا لو أنّه معي؟ ماذا لو أنّه يسكن في داخلي، بقربي، وأستطيع أن أتحدث إليه كل يوم؟
ننتقد بعضنا، نقيّم قراراتنا، نضحك على أخطائنا، نلهو ونلعب ونرقص، نختلف، ثم نتصالح، نذهب معًا إلى مكاننا المفضّل، حتى عندما يخذلني الجميع، أجده.
هذا الشخص… هو أنا.
ربما هذه هي الفكرة التي احتجت وقتًا طويلًا لأفهمها.
أننا نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا نبحث عن أشخاص ينقذوننا من أنفسنا، بينما ننسى أن أول شخص يجب ألّا نتخلى عنه هو ذاتنا.
نبحث عن الأمان في شخص آخر، وعن الطمأنينة في حضن، وعن الإجابات في نصيحة، وعن القوة في وجود أحدهم إلى جانبنا.
وهذا ليس خطأ، نحن نحتاج بعضنا. نحتاج الحب، والصداقة، والعائلة. ولا يمكن للإنسان أن يعيش مكتفيًا بذاته تمامًا.
لكن هناك فرقًا بين أن يكون الآخر سندًا لك، وبين أن يصبح وجوده شرطًا لوجودك، لأنك عندما تربط سلامك الداخلي بشخص آخر، يصبح غيابه قادرًا على هدمك. وعندما تربط قيمتك بنظرة شخص إليك، تصبح كلماته قادرة على تعريفك.
لهذا، ربما لم تكن الجملة تعني فقط:
“لأنك لست هنا، يحدث هذا كلّه”.
ربما كانت تعني: ماذا يحدث عندما لا تكون أنت بكيانك وذاتك وأفكارك ووجودك هنا؟ عندما تغيب عن نفسك وأنت موجود حقًا؟
فقدان الآخرين موجع، نعم. لكن فقدان الذات الذي هو أكثر هدوءًاً هو أشدّ خطورة. قد تفقد شخصًا، فيحزن قلبك وتبكي وتشتاق، ثم تبدأ شيئًا فشيئًا بالتعافي. أما حين تفقد نفسك، فقد تستمر في الحياة بشكل طبيعي جدًا، بينما أنت من الداخل تتلاشى.
ولهذا، ربما علينا أن نتعلم أن نعود إلى أنفسنا كما نعود إلى شخص نحبه بعد غياب طويل.
أن نسألها: ماذا تريدين؟ ممّ تخافين؟ لماذا أنت متعبة؟ أيّ قرار يؤلمك؟ وأيّ قرار يشبهك؟ ما الذي تخليتِ عنه فقط لأن الآخرين لم يفهموه؟
ومتى كانت آخر مرة ضحكتِ فيها لأنك كنتِ سعيدة فعلًا، لا لأن الموقف كان يستدعي الضحك؟
النضج ليس أن نعرف دائمًا ماذا نفعل، إنّما أن نعرف إلى من نعود عندما لا نعرف. وأتمنى، في نهاية الأمر، أن يكون هذا الشخص هو ذاتك أنت، عزيزي القارئ.
لأن الحقيقة التي تأخّرت جدًا في فهمها هي أن الناس قد يأتون وينصرفون قد نحبهم، وقد نفقدهم. قد يبقون معنا سنوات، وقد يرحلون في لحظة. وقد نمضي عمرًا كاملًا ونحن نبحث عن ذلك الشخص الذي يجعل الحياة أقل وطأة.
لكن في النهاية، هناك شخص واحد فقط سيبقى معنا في كل نسخة من حياتنا. عندما يصفّق لنا الجميع، وعندما لا يلتفت إلينا أحد. وهذا الشخص هو “نحن”.