يرحل المغتربون فنعود إلى كآبة واقعنا

يرحل المغتربون فنعود إلى كآبة واقعنا

في آخر الصيف، لا يتغير الطقس وحده. هناك شيء آخر يتبدل في لبنان، شيء تشعر به قبل أن تراه.
تبدأ الوجوه التي ملأت الشوارع بالمغادرة. حقائب تسحب على عجل ، وداعات عند أبواب البيوت، وصور أخيرة تلتقط قبل أن يعود كل واحد إلى البلد الذي يعيش فيه طوال السنة. وفجأة تكتشف أن الصيف لم يكن مجرد موسم سياحي عابر، بل كان وقتاً عاد فيه الكثير من اللبنانيين إلى لبنان. وعادت معهم الحياة إلى أماكن كثيرة.

هذا الصيف، كان يمكن أن تشعر بالعائلة قبل حتى أن تراها.
على الطرقات، في القرى، على البحر، في المطاعم، وفي السهرات.
كانت العائلات مجتمعة من جديد. ابن عاد من كندا، أخت وصلت من فرنسا، أخ جاء من الخليج، وأحفاد كبروا في بلاد بعيدة، لكنهم لا يزالون يعرفون طريق بيت الجدة.

حتى الزحمة كانت مختلفة.
نعم، كانت هناك ساعات طويلة تضيع على الطرقات، وكان الوصول إلى بيروت يحتاج ربع قرنٍ، لكنها كانت زحمة نحبها. زحمة تخبرنا أن هناك من عاد . أن المطاعم ممتلئة، وأن القرى استعادت أصواتها، وأن البيوت التي بقيت هادئة طوال السنة فتحت أبوابها من جديد.

كانت عجقة المغتربين جميلة، لأن خلفها كانت هناك عائلات تلتقي، وأمهات ينتظرن أبناءهن، وأباء يفرحون بوجود أولادهم إلى جانبهم، وأطفال يركضون في بيوت أجدادهم وكأنهم لم يغادروها يوماً.

لكن الصيف لا ينتظر أحداً.
نصل اليوم إلى تلك المرحلة التي يبدأ فيها لبنان بالاستعداد للعوجة إلى هدوئه وكآبته من جديد. تبدأ الطائرات بالامتلاء، والحقائب بالعودة إلى المطارات، وتبدأ الوداعات التي حاولنا طوال الصيف ألا نفكر فيها.
وسيعود كل شيء تقريباً إلى ما كان عليه.

ستخف الزحمة. ستفرغ بعض الطاولات، وسترجع القرى إلى إيقاعها المعتاد. وسيبقى في بعض البيوت كرسي فارغ كان مشغولاً طوال الصيف.

وهنا ربما تكون أصعب مفارقات لبنان.
الأم التي فرحت لأن ابنها عاد ستفرح له حين يعود إلى حياته وعمله، لكنها ستبكي عندما يغادر. والأب الذي أمضى أسابيع يستعيد وجود أولاده حوله، سيجد نفسه فجأة أمام بيت أكثر هدوءً.

لكن هناك حزن آخر ، أعمق قليلاً.

حزن أن تعرف أن أولادك مضطرون إلى العودة إلى بلد الاغتراب ليس لأنهم لا يحبون لبنان، بل لأن لبنان لم يعطِهم سبباً كافياً للبقاء.

وهذا ربما هو السؤال الذي يتركه الصيف وراءه:
لماذا نستطيع أن نعيد لبنان إلى الحياة عندما يعود أبناؤه، ولا نستطيع أن نجعل هذه الحياة سببًا لبقائهم؟

المغتربون لا يعودون في الصيف لأنهم نسوا لبنان. بالعكس. يعودون لأن في هذا البلد شيئًا لا يجدونه في أي مكان آخر: البيت، الأم، الأب، الرفاق، الحارة، ضحكة المساء، ورائحة الصباح التي لا تحتاج إلى ترجمة.

ولهذا، حين يرحلون، لا يغادر لبنان أشخاص فقط؛ يغادر معه جزء من ضجيجه الجميل.

تعود الأم إلى انتظار مكالمة، ويعود الأب إلى عدّ الأيام حتى الصيف المقبل. وتعود البيوت إلى هدوئها، فيما يبقى في داخلها أثر تلك الأيام التي كان فيها الجميع هنا.

ربما أجمل ما يمكن أن نتمناه ليس أن يبقى المغتربون في لبنان إلى الأبد، فهذا قرارهم وحياتهم. بل أن يأتي يوم يعودون فيه، ثم يجدون سببًا للبقاء.

يأتي يوم لا تكون فيه عودة اللبناني إلى بلده مجرد عطلة صيفية، ولا اجتماعًا عائليًا مؤقتًا، ولا أيامًا معدودة قبل رحلة العودة.

يأتي يوم يكون فيه لبنان قادرًا على أن يقول لأبنائه: ارجعوا هذه المرة، ابقوا.
حتى ذلك الحين، سيبقى آخر الصيف يحمل معه مشهدًا يشبه لبنان كثيرًا:
فرحة كبيرة لأن الأحبة عادوا، وحزن أكبر لأنهم سيرحلون من جديد.