من يقرّر ما نراه في زمن الحرب؟

من يقرّر ما نراه في زمن الحرب؟

مَن يملك الصورة يملك جزءاً من الرواية، لكن في زمن تتدفق فيه مئات الإشعارات خلال ثوانٍ، لا تكمن المشكلة في الوصول إلى الصورة، بل في معرفة ما إذا كانت توثق الحدث الذي يُقال إنها توثقه.

الحروب الحديثة لا تُخاض بالصواريخ والطائرات فقط، بل أيضاً بالصور والفيديوهات والروايات التي تنتشر عبر الشاشات. وفي الساعات الأولى للأحداث، غالباً ما تسبق هذه المواد عمليات التحقّق، ما يجعل المنصات الرقمية ساحة موازية للصراع، تُخاض فيها معركة على تفسير ما يحدث بقدر ما تُخاض على الأرض.

بعد دقائق من إعلان اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيّد حسن نصر الله في أيلول 2024، انتشر فيديو مدته 32 ثانية قيل إنه يوثّق احتفالات لبنانيين بمقتله. بدا المشهد مقنعاً: شابتان تغنيان وسط حشد يحمل الأعلام اللبنانية، فيما حملت المنشورات ادعاءً يربط المشهد مباشرة بالحدث الذي هزّ لبنان والمنطقة.

لكن الفيديو لم يكن من العام 2024 أصلاً. يعود إلى احتجاجات لبنانية في كانون الثاني 2020، أي قبل أربع سنوات من اغتيال نصر الله.

هذه الحالة تختصر واحدة من أكثر مشكلات التغطية الرقمية للحروب تعقيداً: مَن يملك الصورة يملك جزءاً من الرواية، لكن في زمن تتدفق فيه مئات الإشعارات خلال ثوانٍ، لا تكمن المشكلة في الوصول إلى الصورة، بل في معرفة ما إذا كانت توثق الحدث الذي يُقال إنها توثقه.

بحسب مراقبتنا، في الساعة الأولى بعد إعلان اغتيال نصر الله في أيلول 2024، لاحظنا انتشار مقاطع عبر فيسبوك تزعم نجاته من الغارة، وعبر منصة إكس صور قيل إنها للحظة انتشاله من تحت الأنقاض. وبعد دقائق، ظهر فيديو آخر قيل إنه يوثق احتفالات لبنانيين بمقتله. حصدت بعض هذه المنشورات مئات الآلاف من المشاهدات قبل أن يتضح أن أحد أكثر المقاطع انتشاراً يعود إلى احتجاجات لبنانية عام 2020، أي قبل أربع سنوات من الحدث.

وتكرّر النمط خلال القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم خلال المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية في حزيران 2025، حين انتشرت مقاطع قديمة وأخرى خارجة عن سياقها.

هذه الحالات تطرح سؤالاً أساسياً: مَن يقرّر ما يراه الجمهور في لحظات الحرب؟
وهل يتعلق انتشار رواية معينة بنشاط حسابات مؤثرة، أم بطبيعة المحتوى الصادم، أم بخوارزميات تمنح الأولوية للتفاعل قبل التحقّق؟

فيديو عمره أربع سنوات يصبح “احتفالاً” باغتيال نصر الله

بعد دقائق من إعلان اغتيال نصر الله، بدأ فيديو مدته 32 ثانية ينتشر على إكس، يظهر شابتين تغنيان وسط حشد يحمل الأعلام اللبنانية. أُرفق المقطع بادعاء أن لبنانيين يحتفلون بمقتل حسن نصرالله“.
لكن التحقق الرقمي أظهر أن الفيديو يعود إلى يناير/كانون الثاني 2020، حين نشرته إحدى الشابتين على تيك توك. وكان مرتبطاً بالاحتجاجات اللبنانية التي بدأت عام 2019، فيما كانت الشابتان تغنيان “نحنا الثورة والغضب” للفنانة اللبنانية جوليا بطرس.

الفيديو إذن لم يكن مزيفاً، لكن القصة التي أضيفت إليه كانت مضللة. هذه الحالة توضح إحدى أخطر آليات التضليل الرقمي: لا يحتاج المحتوى إلى أن يكون مزيفاً حتى يصبح مضللاً؛ يكفي تغيير تاريخه أو مكانه أو وصفه أو السياق السياسي المحيط به.

إعادة النشر كان المحرّك الأساسي

وفقًا لبيانات “غوغل ترند”، تصدّرت كلمة “نصرلله” محرّكات البحث عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما بين فترة 27/9/2024 و28/4/2024.

لفهم كيفية انتشار الرواية الرقمية، أُجري تحليل لشبكة الانتشار باستخدام OSoMeNet، الأداة التي طوّرها مرصد وسائل التواصل الاجتماعي (OSoMe) في جامعة إنديانا خلفًا لـHoaxy، والتي تتيح تحليل شبكات انتشار المحتوى ورصد كيفية انتقال الروايات بين الحسابات على منصات اجتماعية محددة.

ويقتصر هذا التحليل تحديدًا على منصة Bluesky، ولا يمثل قياسًا لانتشار الرواية على فيسبوك أو إكس أو يوتيوب أو إنستغرام أو ريديت. لذلك يُقدَّم بوصفه دراسة حالة لمنصة واحدة، تساعد على فهم أنماط انتشار الرواية، لا باعتباره دليلًا على انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي عمومًا.

بحسب نتائج التحليل، ضمّت الشبكة 1,246 حسابًا و1,264 تفاعلًا رقميًا موجّهًا، وكانت نحو 67% من العلاقات المرصودة عمليات إعادة نشر. وفي الشبكة التي رصدها التحليل، يشير ذلك إلى أن إعادة نشر المحتوى شكّلت النمط الغالب من العلاقات المرصودة. وتبقى هذه النتيجة مرتبطة بالشبكة التي جرى رصدها في تاريخ سحب البيانات المحدد، إذ يمكن أن تتغير بنيتها وحجمها من يوم إلى آخر.

كما أظهر التحليل 195 مجموعة رقمية (Clusters)، في مقابل 26 رابطًا فقط بين هذه المجموعات. ويعني ذلك أن الغالبية الساحقة من الروابط بقيت داخل

المجموعات نفسها، وهو نمط يمكن أن يحدّ من انتقال المعلومات بين المجتمعات المختلفة ويعزز انتشار الروايات داخل دوائر رقمية متقاربة. ولا يعني هذا الرقم، بحد ذاته، إثبات وجود “غرف صدى” أو أن الخوارزمية تعمّدت عزل المستخدمين، بل يصف بنية الشبكة التي رصدها التحليل.

في مقابلة هاتفية أجرتها الباحثة مع المتخصّصة في تقنيات استخدام الذكاء الاصطناعي د. سالي حمّود بتاريخ 27/7/2026، ترى الأخيرة أن جوهر المشكلة يكمن في أن خوارزميات المنصات تقيس التفاعل أكثر ممّا تقيس الحقيقة. فالمحتوى الذي يحصد مشاهدات وتعليقات وإعادة نشر تكون لديه فرصة أكبر للظهور أمام مستخدمين آخرين.

وتقول إن المستخدم لا يدفع مالاً مقابل هذه المنصات، لكنه يدفع من وقته وانتباهه وسلوكه الرقمي. والخطر أن تتحوّل المعلومة المغلوطة، من كثرة تداولها، إلى حقيقة راسخة في وعي الجمهور، فيما قد تعيد مؤسسات إعلامية استخدامها لأنها تجذب الجمهور.

وتزداد قابلية تصديق المعلومات غير الدقيقة خلال الحروب، بحسب حمّود، لأن الخوف والقلق وعدم اليقين يدفعان الجمهور إلى البحث عن إجابات سريعة وسط تدفق هائل من الأخبار.

عندما يكون الفيديو حقيقياً لكن الحدث خاطئاً

في 3 آذار 2026، انتشر فيديو ليلي لانفجار ضخم، مرفق بادعاءات بأنه يوثق غارات إسرائيلية “تجري الآن على بيروت”. انتقل المقطع بين X وYouTube وFacebook وInstagram وReddit.

لكن البحث العكسي أظهر أن الفيديو يعود إلى الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية في تشرين الأول 2024. وعُثر على نسخة أطول منه منشورة على صفحة قناة الجزيرة في فيسبوك في 6 تشرين الأول 2024.


وأكدت وكالة فرنس برس أن الفيديو لا يوثق غارات آذار 2026، بل أحداث تشرين الأول 2024، بعد مقارنة النسخة المتداولة بالنسخة الأطول وبمواد صوّرتها الوكالة خلال الغارات.

مرة أخرى، لم تكن المشكلة في الفيديو نفسه، كان حقيقياً، لكن الادّعاء المرافق له كان خاطئاً.
وأظهر تحليل Hoaxy مرةً أخرى للشبكة المرتبطة بالضربات على لبنان وجود مكوّن رئيسي يضمّ 71% من الحسابات. وكانت 68% من التفاعلات عمليات إعادة نشر، بواقع 1,117 إعادة نشر.

وأظهر التحليل أن بعض الحسابات كانت من بين الأكثر ارتباطًا داخل الشبكة المرصودة، من دون أن يعني ذلك أنها كانت مصدر الرواية أو أنها تعمّدت نشر معلومات مضللة، إذ تعكس هذه المؤشرات موقع الحسابات وعلاقاتها داخل شبكة الانتشار فقط. وسجّلت الروابط بين المجتمعات الرقمية المختلفة 83 علاقة، أي نحو 5% من إجمالي الروابط، فيما بقي نحو 95% من الروابط داخل المجموعات نفسها، بما يشير إلى محدودية التفاعل بين المجتمعات المختلفة داخل الشبكة محل الدراسة.

من انفجار مرفأ بيروت إلى حرب إيران وإسرائيل

خلال المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية التي بدأت في 13 حزيران 2025، ظهرت مقاطع بدت وكأنها توثق الضربات المتبادلة. لكن أحد أكثر المقاطع انتشاراً كان في الحقيقة تجميعاً لمادتين لا علاقة لأي منهما بالحرب.

الجزء الأول أظهر انفجاراً ضخماً، وأُرفق بادعاءات بأنه يوثق آثار الضربات الإيرانية على إسرائيل. لكن AFP Fact Check عثرت على النسخة الأصلية، المنشورة عبر وكالة ViralHog في 14 آب 2020، وتبيّن أنها توثق انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020.

أمّا الجزء الثاني، فأظهر أشخاصًا يركضون في حالة من الهلع، مع ادعاء أنهم يفرّون من هجمات. لكن تحقيق AFP أظهر أن المشهد يعود إلى 1 آذار 2025، عندما أُخلي مركز Kay Bailey Hutchison Convention Center في دالاس خلال بطولة NCA All-Star National Championship. ووفق شرطة دالاس، اندلع شجار بين شخصين أدى إلى سقوط عدة أعمدة وإحداث صوت مرتفع، ما دفع الحاضرين إلى الاعتقاد خطأً بوجود مطلق نار والفرار من المكان. وأكدت الشرطة أنه لم يكن هناك مطلق نار ولم يقع إطلاق نار. وكانت البطولة قد استقطبت أكثر من 58 ألف مشارك، وفق لجنة دالاس الرياضية، من بينهم 30,410 رياضيين و3,700 مدرب، بحسب CBS نيوز.

لم يعتمد التحقق على البحث العكسي فقط، بل شمل أيضاً مقارنة جغرافية لتفاصيل المباني ومواقف السيارات والمنطقة المحيطة، ومطابقة الصور مع صور الأقمار الصناعية عبر Google Maps.

كانت النتيجة واضحة: انفجار حقيقي، وحادثة حقيقية، وحرب حقيقية، لكن جمعها في رواية واحدة أنتج قصة زائفة. وهنا تكمن إحدى أخطر خصائص التضليل الحديث: قد تكون كل العناصر حقيقية، لكن المعنى الذي يُمنح لها يكون كاذباً.

أدوات تكشف ما تخفيه السرعة

تُظهر الحالات الثلاث أن المعركة المعلوماتية لا تدور فقط حول ما يحدث على الأرض، بل حول مَن ينجح في تحديد معنى الصور والفيديوهات قبل غيره.

وتوفرّ الأدوات الرقمية وسائل مهمة لمواجهة ذلك. فـComputer Vision تساعد على مقارنة الصور والفيديوهات واكتشاف النسخ المعدلة أو المقتصة. وتتيح أدوات مثل Google Lens وInVID-WeVerify استخراج إطارات من الفيديو وتتبع ظهورها السابق والوصول إلى مصادرها الأصلية.

أما Hoaxy فيقدم شيئاً مختلفاً: فهو يساعد على رسم خريطة انتشار المحتوى، وتحديد الحسابات المؤثرة، ومراكز إعادة النشر، وطريقة تشكل المجتمعات الرقمية.
لكن هذه الأدوات لا تصدر حكماً آلياً نهائياً على الحقيقة، إنها توفر للصحفيين والباحثين أدلة ومسارات للتحقيق.

الصحفي بين السرعة والدقة

التكنولوجيا وحدها لا تحل المشكلة. تقول الصحافية صفاء عيّاد إن وقوع الصحفيين في فخ المعلومات المضلّلة أمر مفهوم خلال الأزمات، إذ يعتمدون أحياناً على مجموعات واتساب الإخبارية والمصادر العاجلة، بينما يفرض البث المباشر وتتابع التطورات ضغطاً كبيراً على غرف الأخبار.

المشكلة، بحسب عيّاد، لا تتوقف عند وقوع الخطأ، بل تمتد إلى كيفية الاعتراف به وتصحيحه. فبعض المؤسّسات أو الصحفيين لا يعلنون بوضوح أن مادة نشروها كانت مضلّلة، ما يسمح للمعلومة الخاطئة بالبقاء بعد تصحيحها.

عندما يصنع غياب المعلومة فراغاً

في بعض الحالات، تفرض السلطات قيودًا على تصوير أو بث معلومات محددة قبل صدورها رسميًا. ففي 18 آذار 2026، أصدرت دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة إقليم كوردستان بيانًا قيّد تصوير أو بث اعتراض المسيّرات وعرض حطامها، في إجراء يمكن أن يحدّ من تداول معلومات غير دقيقة، لكنه قد يطرح في المقابل مشكلة أخرى: الفراغ المعلوماتي.

عندما تتأخر الصور أو التفاصيل الرسمية في لحظة أزمة، يبحث المستخدمون عن أيّ مادة متاحة. وفي هذا الفراغ يمكن لمقاطع قديمة أو صور خارجة عن سياقها أن تملأ المساحة قبل وصول المعلومات الموثوقة. وهكذا يجد الجمهور نفسه أمام معادلة صعبة: الحاجة إلى معلومة سريعة، مقابل خطر أن تكون المعلومة خاطئة.

في النهاية، لا يقرّر ما نراه في زمن الحرب الصحفيون أو الحكومات وحدهم، ولا الخوارزميات وحدها. الصورة تمر عبر شبكة من المستخدمين والمنصات والحسابات المؤثرة وخوارزميات التوصية، قبل أن تصل إلى الشاشة.

وقد تكون الصورة حقيقية تماماً، لكن التاريخ خاطئ، أو المكان مختلف، أو القصة المرافقة مصطنعة، لذلك لم يعد السؤال فقط عن حقيقة الصورة بل أصبح عن تاريخ التقاطها وسياقها والهدف من استعمالها وتقديمها بسياق مختلف يخدم أهدافا معيّنة.

“تم إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الاعلام لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية”.

استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه.