بيروت التي ترتشف جرعات النجاة

بيروت التي ترتشف جرعات النجاة

أقلعت طائرة قلبي في مطار بيروت، وأوّل حب لي كانت هي.
أحبّ بيروت لأنني أنتمي إليها، وأنا ابن الأشرفية. ويزداد حبّي لها لأنّها ست الدنيا، وإنّني لمعجبٌ بالعظماء أمثالها.
بيروت حفظت وجهي، وصانت أسراري، واستمعت إلى قصصي، وحملتني كما تحضن الأمّ أولادها.
سارت معي في محطات الحياة منذ الولادة، حتى اليوم. رأيت فيها ملامحَ إنسانٍ بريء، لا يعرف أن يكذب ولا أن يؤذي. بيروت تُرحّب بالجميع، وتعاملهم بسواسية. لم أنظر إلى بيروت يومًا نظرة أسفٍ على الواقع الذي آلت إليه، بل، وكما بدأت مقالتي، أكرّر أنّني “أحببتُها أكثر”. لكن، هل لا تزال هي أيضًا قادرة على مبادلتنا المشاعر عينها؟
وهل يُمكن لها أن تحمل الدنيا على كتفيها بعد؟ أم أنّها باتت معينةً لنفسها فقط لا أكثر؟

بيروت اليوم كالناجية اليومية.
أُصيبت بمرض مزمن، وهو “الوداع”. تودّع أولادها على طريق المطار. تودّع شهداءها. تودّع بيوتًا هُّدمت، وأحلامًا سُرقت، وأطفالًا رضعوا حليب الحرب، قبل أن يتلذذوا بحليبها الطازج. تودّع جدرانًا وقعت على أصحابها.

بيروت تنجو كلّ يوم. تنجو عندما ترى سكانها يتهافتون إليها، إلى بحرها في الروشة والمنارة، إلى ابنتها “الحمرا”. تنجو عندما يأتي إليها الناس من كل مكان، ويضربون كأسها، ويشربون قهوتها، ويحضرون أفلامًا سينمائية في موسم شتائها. وبين الخسارة والنجاة، شتّان. شتّان بين صدمةِ الأولى، وصعوبة بلوغ الثانية. شتّان بين الوجع السريع والشفاء البطيء. شتّان بين الهزة العنيفة والثبات الطويل.

بيروت عندنا كالشابّة التي لا تتغيّر ملامحها، ونحن نأبى أن نراها تشيخ. هي كالذاكرة العالقة في الزمن الجميل، والصامدة هناك. لقد حدّثتها كثيرًا خلال الفترة السابقة، وكانت في كلّ مرة تحتضنني وتبكي. تعتذر منّي لعدم تأمينها أرضًا آمنةً نستطيع أن نعيش فيها. تعتذر منّي لأنها نكثت بوعودها بالسلام والحريّة والديمقراطية. تأسف لأنّ السلطة السياسية كانت أقوى منها، وهي السلطة الإنسانية التي تُعلي راحة اللبناني وسعادته وصحته النفسية فوق كلّ اعتبار.

أحدّث بيروت عن طريق فنجان قهوة في أحد مقاهي الحمرا.
أسألها: “ماذا فعلوا بكِ؟ ولماذا يبدو وجهك شاحبًا، وعيناك ذابلتين؟” ثمّ أرتشف القهوة.
طعمها مرٌّ، ورائحتها كريهة، وكأنّ بيروت تُجيبني عن سؤالي في كلّ رشفةٍ مرّةٍ: “لقد أصبحت أُشبه طعمَ هذه القهوة”.
وأواصل الحديث: “من سرقَ جمالك؟ من باع قصورك؟ من ردمَ بيوتك؟ من حرقَ أرضك؟ من قتل أولادك؟ من قطف زهورك؟ من؟ قولي لي، من اقترف كلّ هذه الجرائم؟”
ومع هذه الأسئلة، نفدت القهوة، كبيروت التي نضبَ عطاؤها لأولادها، يوم صارت تتناول جرعات من التحمّل والصبر وطول الأناة لكي تنجو.

أحدّث بيروت عن طريق سيارة مارّة من “بيروت لجونية”، وأقول لها: “أرأيتِ كم أنتِ عظيمة؟ رغم كلّ شيء لا يزال حبّك للبنان بأسره كبيرًا، فناهيك عن نكباتكِ، تطيرين، تُكملين، لا حدود تُقيّدك، ولا أزمة تُكبّلك. ومن بيروت إلى جونية، والشمال، فالجنوب، وصولًا إلى بعلبك، والبقاع، تقود السيارات بكلّ فرح، وهي تُبشّر بالخلاص وسط كلّ الأنواء العاتية. إنّ قلبك يا بيروت ينبض في كلّ محافظة، وقرية، ومنطقة، وشارع، ومفترق. إنّكِ ميلادُنا في البيوت، وشمعةُ انتصاراتنا”.

أحدّث بيروت عبر وجوه الأطفال المشردين الذين تركوا مدارسهم، ومنهم من لم تسمح لهم الظروف بأن يتعلّموا، وأقول لها: “كنتِ دائمًا متاحةً للفقراء والأغنياء، والآن أنتِ ضحيّة الحروب. أنتِ ضحيّة منذ اللحظة الأولى، لكنّك لا تتوقّفين. أنتِ محطة يقف عندها الجميع مهما اختلفوا، وكثيرون منهم يُظلمون على حساب غيرهم. أنتِ النقطة حيث يتفاوت الناس في العلم والمعرفة، وفي كسب المال، وفي الحصول على الوظائف. وتبقين أنتِ الحدث، والخبر، والعاصمة التي تعاني الويلات، ويُذكر اسمها ألف مرّة ومرّة في ملّفات الفساد، والبطالة، والفقر. ورغم ذلك، تفتحين مطاعمك عند المساء ليسهر الناس، تُشرق الشمس في سمائك لتبعث فينا شعور الطمأنينة والشجاعة للعمل، والإنتاج، والإبداع، وكأنّ العناية الإلهية ترعاكِ، فتُرسل إليكِ أولاد الخير، ويُسهمون في نهضتكِ، وفي ترميمكِ من جديد”.
“ما أدراكِ يا بيروت من أنتِ. وأنا أيضًا لم أكتشف سرّك بعد، إنّما أُعدّد أشكال نجاتك التي تُبهرني في كلّ مرّة”، وأصرخ: “قامت مدينتي! صحا وطني من نومٍ عميق! وعاد لنا عريسًا!”.

ورُبّما أخطأنا حين ظنّنا أنّ بيروت هي أبنية ومحال ومطاعم وحدائق. هي الإنسان الذي يرفض أن يتركها تموت. هي الطالب الذي يذهب إلى جامعته، والعامل الذي يفتح متجره، والأمّ التي تُرسل أبناءها إلى المدرسة، والصحافي الذي يكتب ويُعبّر من دون خوف، والموسيقي الذي يعزف، والعاشق الذي يجلس إلى جانب حبيبته ويُخطّطان لغدٍ أفضل في بيروت، نعم، في بيروت.
هذه هي العاصمة الحقيقية، باؤها بقاء، وياؤها يقين بالقيامة، وراؤها رجاء، وواوها وفاء، وتاؤها تجدّد. هذه هي بيروت باختصار: في كلّ حرفٍ من اسمها روحٌ إيجابية تفيض منها نعمة النجاة.

قد لا تستطيع بيروت أن تحملنا كما في السابق، غير أنّها تبذل كلّ ما في وسعها لتُبقينا متفائلين. ونحن قد أغرمنا ببيروت، وتعلّقنا بها لسببٍ واحد: أنّها متمرّدة. عنيدة لا تنكسر. لا ولم ولن تستسلم. ونحن البشر، بطبيعتنا، نُغامر، ونغوص في بحار التحدّيات، ونرفض أن ننسحب من الاختبارات قبل إتمامها. نُشبه بيروت، وهي تُشبهنا. ورُبّما مبدأ التمسّك بالأرض، وعدم التخلّي عنها، والسير في الطرقات الوعرة، قد ينتج عن سببٍ ثانٍ، وهو باختصار: أنّنا نستحقّ من الزمن ولو قليلًا من الحياة.

فبيروت ونحن لم نولد لنموت فورًا. فبيروت ونحن هنا! موجودون! ولنا حكاية، رُبّما قصة أو قصيدة أو رواية، لجنود الجبهات فيها بداية، وللناجين الرابحين أسعد نهاية! وغدًا، غدًا نعم، سنبقى، لأنّنا هنا، في الظلام والسنا، وفي كلّ فصول وأيّام وأشهر السنة! ونحن هنا مع بيروت موجودون، صامدون! ولنا مع أرضنا تتمّة!