11 Oct 2026
Like this post
كتب إيليا أبو ماضي عن الحرية بوصفها حقّاً يولد مع الإنسان، وجزءاً أصيلاً من كرامته ووجوده. وفي قصيدته الحرية، يتوقّف الشاعر عند مفارقة مؤلمة، وهي أن يُخلق المرء حرّاً، ثم يقبل لنفسه حياةً تقيّد إرادته، ويعتاد ما يُفرض عليه إلى درجة يصبح معها التحرّر أمراً يخشاه، بعدما كان أكثر ما يستحقّه.
كان أبو ماضي، أحد أبرز شعراء المهجر، مشغولاً بالإنسان وأسئلته الكبرى، وبما يختبئ خلف تجاربه من خوف ورغبة وأمل وتناقض. وفي هذا البيت، يلامس جانباً عميقاً من علاقتنا بالحياة، فكم من مرّة نتخلّى عن رغباتنا خشية أحكام الآخرين، أو نصمت عن أمر يؤلمنا حفاظاً على راحة اعتدناها، أو نبقى في أماكن وعلاقات لم تعد تشبهنا، لأنّ المجهول يبدو أكثر إخافةً ممّا نعرفه؟
ومع مرور الوقت، قد تتحوّل التنازلات الصغيرة إلى أسلوب حياة، فنعتاد تأجيل أحلامنا، ونراقب خياراتنا بعين الآخرين، ونبتعد تدريجياً عمّا كنّا نريده لأنفسنا. وربّما تكمن قسوة هذه الحال في أنّ الإنسان يستطيع أن يتكيّف مع أشياء كثيرة، حتى مع ما يسلبه شيئاً من ذاته، وأن يمضي سنواتٍ طويلة قبل أن ينتبه إلى المسافة التي أصبحت تفصله عن الشخص الذي أراد أن يكونه.
تتجاوز كلمات أبو ماضي زمنها، وتذكّرنا بأنّ الحرية تحتاج إلى وعيٍ يحميها وشجاعةٍ تمارسها، وأنّ الاختيار قد يحمل معه الخسارة والندم والمسؤولية، لكنّه يمنح الإنسان فرصة أن يكون صاحب حياته.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن نفعله لأنفسنا هو أن نترك فيها متّسعاً لما نحبّ ونؤمن به، وأن نحافظ على قدرتنا على الاعتراض والرحيل والبدء من جديد، وألّا نسمح للخوف أو العادة أو رغبة الآخرين بأن تقرّر بالنيابة عنّا كيف ينبغي أن نعيش. فالعمر الذي نمضيه في محاولة أن نكون كما يريد الجميع، قد ينتهي قبل أن نمنح أنفسنا فرصة أن نكون كما نريد.