15 Nov 2025
Like this post
تعلّمنا دائمًا في حياتنا أن هناك وجهين دومًا لكل أمر: وجه حسن نرجو منه الفائدة، ووجه ضار في حال إساءة الاستخدام. وفي ظل الثورة الحالية للذكاء الاصطناعي، كان التركيز على فوائده التي جعلت الحياة أسهل وأفضل، لكن لا نستطيع أن نغفل عن الجوانب الضارة والسيئة التي ساهمت، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في إنهاء حياة الكثيرين، وبالمعنى الحرفي بالتحديد النساء، وكثير منهن في الوطن العربي. نهاية حياتهم هنا لا نقصد بها الحياة العملية أو الشخصية، بل نهاية أعمارهم بسبب قلة الوعي في المجتمع بخطر الذكاء الاصطناعي في قضايا الشرف.
الذكاء الاصطناعي وقضايا شرف المرأة
ستلاحظ وسترى ملايين الفيديوهات والصور هذه الفترة التي أصبحت تُنتج في ثوانٍ قليلة عن أي موضوع ترغب وتحب. ساعدت هذه التقنيات المصممين على إنتاج صور حصرية للعملاء أو معارض أعمالهم، وساعدت المنتجين على توفير الوقت في إنتاج الفيديو وصناعته، وساعدت صناع المحتوى في زيادة المحتوى على حساباتهم، لكنها ساعدت أيضًا كل من يرغب في أن ينهي حياة فتاة ليس لها ذنب في هذه الحياة، إلا أنها وقعت مع ذئب بشري استغل هذه التقنية ضدها.
حالات التشهير وابتزاز الفتيات انتشرت في الشهور الماضية، على الرغم من علم الفتاة أن هذه الفيديوهات أو الصور غير حقيقية. لكن مع الأسف، تقنية الذكاء الاصطناعي في توليد الصور ودمجها بهذا الشكل قد تجعل صاحب الصورة نفسه يشك في نفسه حولها. وعلى الرغم من ذلك، فإن الكارثة الكبرى تكون في المجتمع.
قد يقف الأمر عند حدّه في حال مواجهة المبتز، لكن خصوصًا في المجتمعات المحافظة المنغلقة يكون الوعي بطبيعة الحال ضعيفًا؛ فتكون الصورة أو الفيديو فضيحة كبيرة من الصعب نفيها عن الفتاة، بل ويصل الأمر إلى إنهاء حياتها لينتهي الأمر ويُغلق تمامًا، فقد “جلبت العار إلى عائلتها”، بدلًا من الوصول إلى المبتز وعقابه حتى يكون عبرة لمن يعتبر. لكن لا حياة لمن تُنادى، وذهبت ضحايا كثر من الفتيات، بالتحديد صغيرات السن اللواتي لم يستطعن التصرف في هذا الموقف، أو عائلاتهن التي لم تقف معهن في مواجهة هذه المشكلة.
كل يوم تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتتسارع معها في الوقت نفسه زيادة حالات الابتزاز، وضحايا من النساء يقعن بشكل متسارع، مما يمثل كارثة مجتمعية لم تكن في الحسبان.
على إثر ذلك، يوضح مات هيرفي، رئيس قانون الذكاء الاصطناعي والشريك في Gowling WLG: “هناك قدرة كبيرة للـ DeepFake على إنشاء نسخة اصطناعية مقنعة لشخص ما، فبمجرد أن تصبح صورتك متاحة عبر الإنترنت، حتى لو لم تكن ذات طبيعة جنسية، يمكن التلاعب بها في صورة واحدة على الأقل، هذا إذا لم يتم استخدامها في فيديوهات أشد خطورة وقباحة”.
إلى جانب ذلك، عدم قدرة النساء على التبليغ عن حالات الابتزاز؛ إذ أوضحت دراسة أنه في دولة مثل باكستان نسبة 72% من النساء لا يستطعن الإبلاغ عن العنف ضدهن عبر الإنترنت، ونسبة 45% يرين أنه من المحرج الإبلاغ عن التحرش. النسب مرعبة، ما يزيد من عدد المبتزين للنساء بشكل يومي، لأن قضية الشرف هي جزء من النسيج المجتمعي، والوعي تجاه مشاكله قليل، والوصول إلى حلول تجاهها أقل بكثير.
الوعي بقضايا الابتزاز بالذكاء الاصطناعي
إن الوعي هو الحل الوحيد في سبيل القضاء على هذه المشكلة، أو على الأقل مواجهتها. ويتمثل هنا الوعي في عدة أقسام: وعي الفتاة، وعي العائلة، ووعي المجتمع. فكلها أمور تتشابك مع بعضها في مواجهة الابتزاز الإلكتروني للنساء.
وعي الفتاة يتمثل في أن تعرف أنها ليست الطرف الأضعف، بل يجب أن تعي أن المبتز يلعب على خوفها من الفضيحة في عائلتها. لذلك وعيكِ ومعرفتكِ لهذا الأمر يجعلانكِ تسيطرين على الوضع جيدًا؛ إذ يمكنكِ استدراج المبتز لأنه غالبًا يطلب الأموال في سبيل السكوت المؤقت. لذلك استدراجه في الحديث للوصول إلى حسابه البنكي أو المحفظة الإلكترونية التي يستقبل عليها الأموال لسهولة الوصول إليه، لأنه بنسبة كبيرة يستخدم رقمًا مزيفًا، لكن الحساب البنكي أو المحفظة بنسبة كبيرة مسجل باسمه. ومن بعدها تقوم الفتاة من خلال سجل المحادثات وبيانات الحساب بالتبليغ عنه للسلطات المختصة.
وعي الأسرة هو أن تقف الأسرة بجانب ابنتهم في هذا الموقف، لأن الفتاة أكثر ما تخشاه هو رد فعل عائلتها على هذا الأمر، وأن لا يصدّقوا أنها بريئة. وكلنا نعرف أن الأمور لا تنتهي على خير حينها. لذلك الوعي هنا ضروري حتى تشعر أنها محاطة بالأمان، وأن أسرتها سندها في مواجهة مثل هذه المشاكل، وليسوا ضدها.
وعي المجتمع، إذ لا بد أن يعي الناس من مختلف الطبقات أن هذه المشكلة لا تفرّق بين صغير وكبير، وأن لا نساهم في نشر الخبر والشائعات. فالمبتز يعرف جيدًا أن هناك أناسًا كل عملهم هو نشر هذه الأخبار أياً كانت، فتجد الفتاة أن خبرها في ساعات قليلة أصبح حديث الناس جميعًا. على الرغم من أن الوعي هنا يحتم على الجميع عمل التحقيقات وعدم النشر.
هناك عادة سيئة للغاية في المجتمع وهي المسارعة في النشر والطعن في شرف الفتاة، لكن في حال براءتها لا أحد يعتذر عما بدر منه، بل لا يقومون أصلًا بنشر خبر البراءة، بل ينتقلون إلى الفضيحة التالية. كل ذلك يغذي البيئة التي تُنبت لنا كل يوم مبتزًا جديدًا يعرف أن هناك “حضانة قوية” تعمل ليل نهار على نشر الفضائح بسرعة البرق. ما يستغلّ ذلك في الضغط على ضحاياه من النساء، إذ تخاف الفتاة من كلام الناس عنها، والذي قد يصل بها إلى الانتحار.
لذلك وفي النهاية، إن تقنيات الذكاء الاصطناعي لن نستطيع إيقافها، فهي أصبحت ثورة تكنولوجية يستخدمها الأفراد والمؤسسات بشكل لحظي في يومهم وأعمالهم. لكن دومًا وبالتوازي، علينا أن نزيد الوعي ضد مخاطر هذه التقنيات؛ فحياة الإنسان أهم مليون مرة من الفوائد المجنية منها. حياة بناتنا وزوجاتنا وأمهاتنا أمانة، وعلينا الحفاظ عليها. وعلى الفتاة أن تدرك أن المبتز هو شخص يلعب على خوفها ليس أكثر، وأن الوصول إليه وعقابه ليس بالأمر الصعب. هناك أرقام مختصة للتبليغ عن الجرائم الإلكترونية، وهناك أهلكِ بجانبكِ على الدوام، لذلك لا تنجري وراء طلبات المبتزين… وأبلغي الأهل والسلطات في حال قابلتِ أي مبتز.