6 Mar 2026
Like this post
ما ذبني قد ولدت شيعياً… ولو ولدت من دين آخر، ربما كنت نائماً على فراش ناعم بدل الكرتون البارد الذي وجدته على الرصيف ورميت جسدي المتعب عليه مقابل صخرة الروشة.
اسمي حسن. وعندما أفتح عيني على المدينة، أرى الخوف فقط. الناس يصرخون، والدخان يختنق في أنفي، وأحياناً انفجار يهز الزجاج. كل شيء يتحرك، كل شيء ممتلئ… وأنا أشعر بالفراغ.
المدينة مليئة بالنازحين. الجميع يبحث عن شيء. وأنا؟ أبحث عن لعبتي، عن كتبي، عن أي أثر صغير يذكرني بأنه يمكن أن يكون للعالم نسخة أخرى مختلفة عن الصخب والألم.
أكره المدرسة، لكنها كانت ملاذي. أشتاق إليها وكنت أريد العودة، فقط لأجلس على مقعد يحميني من الرصيف ومن صخرة الروشة التي لطالما ألحّيت على أبي أن يصطحبني لرؤيتها. اليوم، مللت منها. والواقع لا يسمح لي بالرجوع.
ركضت بين الأزقة. شممت رائحة البارود الممتزجة بالغبار. وأيقنت شيئًا واحدًا: أنّ ذبني… قد ولدت شيعياً. وكل المدينة تقول لي إن مصيري ليس لي، بل لشعارات وخطابات لم أفهمها بعد.
الشارع مليء بالناس، لكنه فارغ. وجوه مكتومة بالألم والخوف. عيون تبحث عن مأوى كما أبحث أنا عن مكان أنام فيه من دون أن تتأذى عظامي.
أجلس على الرصيف. أنظر إلى السماء الملوثة بالدخان. أصابع يدي تتشبث بالكرتون الذي أصبح فراشي. وأعود لأفكر: ما ذبني؟ وأجيب: ولدت شيعياً… ولو كنت من دين آخر، ربما كان فراشي اليوم ناعماً. ربما كنت أحلم بلعبة جديدة، أو بكتاب ينتظرني على الرف.
أريد أن أصنع صوتي هنا، لكن المدينة تلتهم كل شيء. صراخي، لعبتي، طفولتي… كل شيء يُبتلع. وتتركني وحدي في عزلة لا أعرف كيف أهرب منها.
أسند رأسي إلى الحائط، وأغلق عيني للحظة. أحاول أن أفهم. لماذا أنا هنا؟ لماذا كل شيء مؤلم هكذا؟ أحياناً أشعر أنني قطعة على رقعة شطرنج، وأن من يقرر مصيري رجال بعيدون عني، بألسنتهم وسياساتهم… وأنا لم أخترهم.
ما ذبني قد ولدت شيعياً… ولو كنت من دين آخر، ربما كانت حياتي مختلفة.
ربما كنت أستيقظ على فراش دافئ، أشم رائحة صابون أمي، ألعب في حديقة آمنة… لكن هنا، في هذه المدينة الممتلئة بالنازحين، هويتي أصبحت عقبة، ديني الذي لم أختاره… لا أمتلك أبسط حقوقي كطفل: الدفء، اللعب، الأمان.
أغلق عيني مرة أخرى. كل شيء فارغ، لكن هناك شيء بداخلي لا يمكن لأحد أن يأخذه: ذكرياتي.
لحظات صغيرة كنت أظنها عادية. لعبتي، كتابي المفضل.
الليل يسقط على المدينة. صمت ثقيل يغطي الشوارع، لكنه لا يمحو أصواتها.
السيارات تتباطأ، أضواءها تتلألأ على الأرصفة المتشققة، وانفجار يذكرني بأن الحرب لا تنام أبداً.
أستلقي على الكرتون. جسدي يئن من التعب، وفي عقلي أسئلة لا إجابة لها: لماذا أنا هنا؟ لماذا سرقت طفولتي؟
ما ذبني قد ولدت شيعياً… ولو كنت من دين آخر، ربما كنت أستمتع الآن بدفء الفراش، وربما لم أكن أعرف صخرة الروشة، ولا رائحة البارود التي أصبحت جزءاً مني.
لكن الواقع لا يرحم. أنا هنا، طفل واحد وسط بحر من التساؤلات والحروب التي لم أخترها.
أحلم بمستقبل أبسط، حيث أكون “حسن” فقط، بلا طائفية، بلا خوف، بلا صرخات تفجير تدفعني للركض بلا هدف.
الليل طويل، المدينة صاخبة رغم الظلام، وقلبي يهمس: الطفولة أحيانًا تُقاس بالبقاء على قيد الحياة، لا باللعب أو الدراسة أو الحلم.
أغمض عيني للمرة الأخيرة. دموعي تسقط ببطء على المدينة التي لا تنام، على أصوات السيارات والانفجارات التي تلاحقني حتى في أحلامي. أندب طفولتي التي اختفت بين طوائف وحسابات الكبار.
ما ذبني قد ولدت شيعياً… ولو كنت من دين آخر، ربما كان عالمي مختلفاً. وربما كنت أضحك الآن.