بطولات النساء الصامتة

بطولات النساء الصامتة

ثمّة نوع من البطولة لا تصنعه الكاميرات، ولا تسوّقه الحملات، بطولة لا صوت لها، لكنّها تحدث كل يوم، في مطبخٍ صغير، أو على درجِ عمارة، أو في طريقٍ مزدحم نحو عملٍ متعب. في سوريا كما في لبنان، وفي الشتات أيضاً، ثمّة نساء يُمسكن بخيوط الحياة اليومية كي لا تنهار، من دون أن ينتظرن اعترافاً أو حتى التفاتة.

لا أحد كتب عن خديجة، مثلاً، تلك المرأة التي عاشت لسنواتٍ في مخيم الركبان على الحدود السورية ـ الأردنية.

خديجة، في منتصف الأربعينات، نزحَت من ريفِ حمص في 2016، وعاشت في ظروف قاسية قرابة تسع سنوات. طوال تلك الفترة، كانت تطبخ وتوزّع الطعام على الأطفال في المخيم مقابل ما تيسّر من مواد بسيطة. وفي الأسابيع الأخيرة قبل إغلاقِ المخيم في حزيران 2025، بقيت خديجة تساعد في تأمين وجبات لنحو ثلاثين طفلاً ممن تأخّرت مغادرتهم، على الرغم من قلّة الموارد وضيق الوقت.
 خرجت خديجة من الركبان أخيراً، لكنها ظلّت حاضرة في ذاكرة كل من جاورها هناك، هي واحدة من نساء لم يكنّ “ضحايا” فقط، بل مناراتٍ خافتة في زمنٍ لا كهرباء فيه.

في مدينة طرابلس شمال لبنان، تعيشُ هدى، أرملة في بداية الخمسينات، فقدت زوجها قبل سنوات في حادث عمل مأساوي أثناء فترة الانهيار الاقتصادي، وهي اليوم تعمل معلمة في مدرسة شبه مجانية صباحاً، وتخيط الملابس مساءً لإعالة بناتها الثلاث.
 الكهرباء مقطوعة معظمَ اليوم، والأسعار تتبدّل كلّ أسبوع، لكن ملامحها ثابتة لا تتبدّل: وجهها هادئ، دافئ، صبور.
 حين تُسأل عن حالها، تبتسم وتقول: “منيحة، الله بيبعت القوة”؛
 مثل خديجة هي، لا تبحث عن لفتة لكنها تحمل حياة صغيرة بأكملها على كتفيها.

وفي شقة متواضعة في برلين، تعيش جويل، لاجئة سورية وأم لطفلين. تقضي يومها بينَ دروس اللغة الألمانية، وعمل جزئي في مطبخ مطعم، وتربية. تقول: “الغربة أكيد مو متل ما بينحكى جنة، بس إذا أنا ما صمدت، مين حيكون سند لولادي؟”. جويل لا ترى في نفسها قصة، لكنها في الحقيقة تصنع بيئة ممكنة في أرض غريبة، وتعيدُ خلق الأمان من لا شيء.

كل واحدة من تلكَ النساء لا تملك شيئاً يُثير الانتباه الصحفي، ولا كلمات مفتاحية تُرضي الخوارزميات. لكنهنّ وببساطة، يمسكن بأطرافِ الحياة كي لا تتفكك. لا ينتظرن مقابلات، ولا إعجابات، أو حتّى تصفيق.
هنّ لا يسمّين ما يفعلنه “نضالاً”، ولا يُحببن التوصيفات الكبيرة، لكنهنّ يُمارسن شكلاً نقيّاً من الصمود؛ صمود مبنيّ على الرغيف، على الصبر، على حبّ الحياة على الرغم من كل ما ينقصها.

في ظلّ كل ما يتهاوى، هنّ من يُبقين العالم ممكناً. في لحظات الانهيار، لا أحد يسند المجتمع مثل امرأة قررت أن تُكمل وهنا تتشكل ماهية المرأة في تلك السياقات فهي ليست ضحية فقط، وليست بطلة خارقة أيضاً. بل إنسانة تصنعُ حضورها وسطَ الغياب العام وعدسات السوشيل ميديا، تخلق من الهامش مركزاً، وتُدير استمرارية الحياة حين تختفي كل أدوات الدعم وأزرار اللايكات.

فهل تساءلنا نحنُ يوماً، من يعلّم حين تُقفل المدارس؟ من يُربّي حين يسافر الأب؟ من يعتني بالمريض حين لا يتوفر مستشفى ولا دواء؟ من يخفّف ألم الغربة، من يحوّل غبار المخيمات إلى أقواس قوس قزح، ومن يعيد تدوير الذاكرة المشوهة من الحرب، في الغالبِ طبعاً، امرأة.

لكن لأنّ تلك الأدوار تُمارس في الخفاء، وخارج اللغة الرسميّة، فإنها لا تُذكر ولأنّها تحدث في يوميات “عادية”، فإنها تُعتبر غير صالحة للرواية. لكنّ الحقيقة أنّ الرواية الكاملة لأيّ مجتمع لن تكون مكتملة ما لم تُروَ قصص تلك النساء . أنا لا أكتب عنهنّ كشاهدة بعيدة، بل كواحدة منهنّ. أعرف جيداً هذه التفاصيل التي تُنسى كأنّها لم تكن كما قال محمود درويش، أعرف كيف تُكمل المرأة يومها وفوق قلبها جبل لا يراه أحد كيف يرتفع حيناً للسماء وكيف تنهار بعضُ جزيئاته بلحظاتِ الضعف. أعرف جيداً كيف نُؤجّل أنفسنا، ونُراكم التعب، ونبتسم على الرغم من كل شيء. كتبت هنا لأنّ في داخلي رغبة قديمة بأن أقول:

 أنا أراكنّ وأشبهكنّ؛ وما تظننّه عاديّاً هو ما يُبقي هذه الحياة على قائمة الوجود.