6 Mar 2026
Like this post
منذ ربع قرن، تتكرّر الحجة نفسها كلما سُئل حزب الله عن أسباب جرّ لبنان إلى مواجهة جديدة: إسرائيل كانت تخطّط للحرب سلفاً، وما حصل ليس سوى تنفيذٍ لخطة جاهزة، سواء وُجدت الذريعة أم لم توجد. لكن السؤال البديهي يبقى: إذا كانت الخطط موجودة دائماً، فمن الذي يختار اللحظة التي تتحوّل فيها الخطة إلى حرب فعلية؟
في العام 2000، انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان. ست سنوات من الهدوء النسبي سبقت عملية خطف الجنود في تموز 2006، بذريعة تحرير أسرى، وفي مقدّمتهم سمير القنطار. النتيجة، كانت حرباً مدمّرة استمرت 33 يوماً، سقط فيها أكثر من ألف وخمسمئة قتيل لبناني، ودُمّرت بنى تحتية وقرى وبيوت. لاحقاً، قال الأمين العام للحزب حسن نصر الله عبارته الشهيرة: “لو كنت أعلم”. بين قرار محسوب وندم متأخر، ضاعت البلاد.
بعد 2006، عاش الجنوب سنوات طويلة من الاستقرار النسبي حتى خريف 2023. لم تقع حرب شاملة، وبقي التصعيد مضبوطاً ضمن حدود معيّنة. كان الحزب يفاخر بـ”توازن الردع”. لكن في 8 تشرين الأول 2023، فُتحت الجبهة مجدداً. عاد المنطق نفسه: إسرائيل تخطّط ولا تحتاج إلى ذريعة. قد يكون هذا صحيحاً من حيث المبدأ؛ كل دولة تضع خططاً عسكرية. لكن هل كل خطة قابلة للتنفيذ؟ أم أن التنفيذ يحتاج دائماً إلى ظرف ملائم، وقرار سياسي، وسياق ميداني؟
القول بحتمية الحرب لأن العدو يخطّط لها يشبه القول بحتمية الموت لتبرير الانتحار. التاريخ مليء بخطط بقيت في الأدراج لأن الظروف لم تنضج، أو لأن الطرف الآخر لم يمنح المبرّر، أو لأنه امتلك خطة مضادة فعّالة. وجود خطة لا يعني حتمية تطبيقها، بل يعني الاستعداد لاحتمالٍ ما.
ثم جاء الحديث عن تطبيق القرار 1701، وعن سحب السلاح وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة. وافق الحزب شكلياً، وشارك في السلطة، ومنح الثقة لحكومات تعرف أن مشروعها يقوم على بسط سيادة الدولة. لكن التناقض ظهر سريعاً بين الالتزام النظري والممارسة الفعلية. في المقابل، استمرت إسرائيل في استهداف عناصره ومواقعه، مؤكدة بدورها أنها تتحرّك وفق خطط معدّة سلفاً. الخطط موجودة دائماً، نعم، لكن السؤال: من يوفّر الظروف لتفعيلها؟
المشكلة الأعمق ليست في اعتراف أي طرف بأن لديه خططاً. هذا بديهي في منطق الدول والجيوش. المشكلة في تحويل «الخطة المسبقة» إلى شماعة جاهزة لتبرير كل قرار تصعيدي. حين يصبح القرار العسكري منفصلاً عن حسابات الكلفة الوطنية، وعندما تُدار المواجهات بمنطق الدور الإقليمي لا بمنطق المصلحة اللبنانية، يتحوّل البلد إلى ساحة اختبار.
على مدى سنوات، من حرب تموز إلى أحداث 2008، إلى الانخراط في الحرب السورية، وصولاً إلى جبهة الإسناد بعد 2023، يتكرّر النمط ذاته: خطوة تصعيدية، ثم حرب أو شبه حرب، ثم خطاب يقول إن العدو كان سيهاجم على أي حال. لكن هذا المنطق يلغي مسؤولية القرار الداخلي، ويعفي صاحبه من المحاسبة، ويحوّل المجتمع إلى متلقٍ دائم للنتائج.
قد تكون لدى إسرائيل خطط لضرب الحزب. وقد تكون لدى قوى إقليمية أخرى خطط ونفوذ وأجندات. لكن بين وجود خطة وتنفيذها، مساحة اسمها السياسة، واسمها الحساب، واسمها المصلحة الوطنية. هناك خطط تموت لأن أحداً لم يمنحها الذريعة. وهناك حروب تقع لأن أحداً قرر أن يختبرها.
في النهاية، ليست المشكلة أن الخصم يخطّط. كل خصم يخطّط. المشكلة حين يصبح الردّ الوحيد على التخطيط هو الاندفاع غير المحسوب، ثم تعليق الخسائر على شماعة «المؤامرة». هنا لا تعود المسألة مقاومة أو ردعاً، بل إدارة بلدٍ بمنطق المغامرة الدائمة.