عن أنصاف الآلهة

عن أنصاف الآلهة

“كثيرون هم الذين يرفعون رؤوسهم فوق قمم الجبال، أما نفوسهم، فتبقى هاجعة في ظلمة الكهوف”.

بهذه الكلمات يصف الكبير جبران خليل جبران أشرارًا صغارًا، ربما لم يقصد ما نقصده نحن بالتحديد، إلا أن أوجه الشبه قائمة. فيزدحم التاريخ بشخصيات ملأت الساحات بالمحبّين والمناصرين والداعمين، لكنّ دورها التاريخي لا يقتصر إلا على سلبية مفرطة قادت شعوبًا وبلادًا نحو الدمار والانهيار الاقتصادي والعمراني، كما الانحطاط السياسي والفكري والثقافي والإعلامي.

فهل صنع هؤلاء القادة التاريخ، أم صنعوا مأساته؟

نماذج في التاريخ

في العصور القديمة، لمع نجم الإمبراطور الروماني “نيرون”، الذي صُوِّر في بداية عهده على أنه القائد الطموح الذي امتلك رؤية جديدة لروما. فهو ابن سلالة حاكمة محترمة وصاحب رؤية “إصلاحية”. إلا أن جنونه بدأ يظهر تدريجيًا مع ظهور هوس السلطة لديه، فاضطهد معارضيه أشد اضطهاد، ولعلّ أشهرها اضطهاده المفرط للمسيحيين وملاحقته إيّاهم.

وأدّى جنونه إلى حرق مدينة روما التي أراد بنائها حسب مخطّطه الخاص، وأنتج ذلك تدهورًا اقتصاديًا وفرض ضرائب باهظة على الرومان، مما سبّب ثورة شعبية وسياسية كبرى ضده وانتحاره في النهاية. فيبقى “نيرون” نموذجًا للقائد النرجسيّ الذي بنى مجده ومصالحه على حساب إمبراطوريته وشعبه.

يشبهه في ذلك الملك الفرنسيّ لويس الرابع عشر، “الملك الشمس”، وصاحب مقولة “أنا الدولة والدولة أنا”. فقد قاد فرنسا لتصبح أقوى قوّة أوروبية، كما بنى قصر فرساي الشهير والفخم الذي بات رمزًا لمجد فرنسا.

لكنّ سياسات هذا الملك الفرنسيّ المرتكزة على مركزية مُحكَمة للسلطة، جعلت ملك فرنسا كالإنسان الوحيد في مملكته، وكلّ ما تبقى من بشر وحجر بات في خانة أملاكه. كما أنفق ثروات ضخمة على المعارك الخارجية وبناء القصور على حساب لقمة عيش الفقراء.

وهذا أدّى بعد وفاته إلى إضعاف الملكية الفرنسية ثمّ إلى الثورة الفرنسية في عهد خليفته لويس السادس عشر، الذي اخترع “المقصلة” فاستخدمها الشعب الفرنسي ليقتلع رأسه. فيبقى هؤلاء نموذجًا لحب النفس وإبقاء شعوبهم في الفقر والبؤس والخراب بعد رحيلهم.

لا ننسى أدولف هتلر، القائد الذي تبعه ملايين الألمان، وقد وعدهم بإخراجهم من حلقة الاستضعاف والظلم التي سقطوا فيها بعد الحرب العالمية الأولى، ووعد أيضًا بإخراج ألمانيا من أزماتها الاقتصادية وضعفها وانهزامها.

فوصل إلى قيادة ألمانيا كالزعيم المُنقذ، الذي يقود أشرف الشعوب على وجه الأرض، مما فجّر حربًا عالمية ثانية هي الأقسى في تاريخ الكوكب الأزرق. ووصلت الحال بهتلر من محتلّ لمعظم أوروبا وإمبراطورياتها العظيمة، وبعض الأجزاء من أفريقيا وآسيا، إلى زعيمٍ قابعٍ في قبوٍ تحت برلين، انتحر مع اقتراب جنود الأعداء من مخبئه.

وبقي الشعب الألماني يلملم جراحه طويلًا بعد تلك المرحلة، يدفع التعويضات خجلًا مما ارتكبه، وينكر أيّ مجدٍ باقٍ من تلك الحقبة التاريخية.

كثر لعبوا نفس الدور المأساويّ، كقوبلان خان ونيكولاي تشاوشيسكو وستالين، وصولًا إلى العديد من زعماء العرب في العصر الحديث. بمزيج من السلطة المطلقة والشعبوية والدعاية السياسية السلبية التي صنعت هالة مقدّسة حولهم جعلتهم فوق المساءلة.

الإعلام: أهمّ أدوات الخداع

إنّ أهمّ ما يسعى إليه الديكتاتور هو السيطرة على الإعلام، فالإعلام سلاح يخلق من خلاله الزعيم رواية وسردية واحدة غير قابلة للنقاش، عنوانها الانتصارات الإلهية الدائمة، من خلال القائد المُنقذ من القهر والظلم والأعداء الخارجيين والداخليين المتحدين في الشر. والطريق للسيطرة على الإعلام تمرّ طبعًا بملاحقة الإعلاميين وسجنهم وتخوينهم وحتى قتلهم.

الوعود الزائفة المنتظر تحقيقها في يوم من الأيام هي الموضوع الأساس في خطاباتهم دائمًا، فالوعد بالتحرير وهزم الأعداء وبناء الأمجاد للشعوب والدول. وأخطر من الوعود الدنيوية هي الوعود الدينية المتمثلة بمكافآت يوم القيامة وفي الحياة الثانية، فيرتكز عليها هؤلاء كموارد غير ملموسة تُصرف فقط بالكلام وعلى المنابر، وتستدرج الجهلة بالدرجة الأولى فيفدون ممتلكاتهم وحياتهم وأولادهم من أجلها.

التخويف هو أيضًا أبرز وسائل الإقناع لأنصاف الآلهة. فالتخويف الدائم من الأعداء والخصوم، أكان هذا التخويف مبنيًا على واقعٍ أو من الخيال، فهو الوسيلة الأبرز للسيطرة على النفوس. فتُستَخدم التجارب التاريخية، ويُعاد سردها حسب مصالح الزعيم وأهدافه عند كلّ مرحلة، في حين أنّ الواقع يشير إلى براغماتية في التعاطي مع أيّ طرف.

أما التخوين، فهو الوسيلة التي من خلالها يتمّ التحريض على الخصوم الداخليين، بهدف تبرير أيّ عملٍ عدائيّ تجاههم. وتتراوح محاربة هؤلاء الخصوم بين عدّة أساليب، من التشهير والذمّ والاغتيال السياسي والمعنويّ، مرورًا بالملاحقة القانونية وتحريض المناصرين والجماهير ضدّهم، وصولًا إلى الاعتقال والسجن فالقتل والاغتيال الجسدي.

ويأتي التخوين كأسلوب معتاد لدى هؤلاء، يخلق وهمًا بأنّ الخصوم الداخليين يرتبطون ارتباطًا وثيقًا بالأعداء الخارجيين، ويسمح بفرض سياسات وخطابات لا تُناقش ولا يُشكّك بصحتها.

المصير الحتمي

تختلف الأسماء وقصصها، إلا أن المصير الحتميّ لهؤلاء فهو واحد، وهو الموت، إمّا انتحارًا، أو اغتيالًا على يد أعدائهم إن أُتيحت لهم الفرصة، أو على يد شعوبهم إذا أيقظتهم الحقيقة يومًا. أو قد يموتون يائسين في المنافي والمخابئ، لا عمل لديهم سوى مراجعة ما ارتكبوه دون مُشبّعٍ لجشعهم وعنجهيتهم.

وفي جميع الأحوال، تعي الشعوب عاجلًا أم آجلًا أنّ التبعية لهؤلاء تبقى خطأً، وأحيانًا خطيئةً لا تُعوّض أبدًا ما خسرته تلك الشعوب من فرص للتقدّم والتطور والعمران.

هل نتعلم من التاريخ؟

هو السؤال الذي لا يمكن الإجابة عنه إلا بالواقع على الأرض، وبالخيارات التي تتجه إليها الشعوب التي غُشّت في إحدى المراحل من تاريخها بأولئك الملقبين بأنصاف الآلهة، وهم في الحقيقة أنصاف رجال، وأنصاف بشر، سخّروا كلّ شيء لذاتهم.

علّ نفوس هذه الشعوب تخرج يومًا من ظلمات الكهوف، فلا يبقى من تتبعه إلا جبران خليل جبران وأمثاله، الذين لو امتُثِل بهم فقط في المدارس والجامعات، وعلى المنابر وفي الخطابات، لن يسقط شعبٌ آخر في حفرة مليئة بالأكاذيب والمضللات والمآسي والمحن.

المواضيع