10 Mar 2026
Like this post
تشكل الحرب الأهلية رعباً جماعياً في قاموس اللبنانيين، نظراً لما خلفته النزاعات المسلحة من آثار جسيمة آلمت البشر والحجر. ولعل الخوف الحقيقي من هذه الحرب يكمن في الأسباب المشكلة للنزاع الداخلي، والتي لم نتمكن كلبنانيين من إيجاد مخارج نهائية لها على الرغم من توقف الصراع العسكري. وإن كانت هذه الأسباب التي عايشناها سابقاً تأتي اليوم ضمن مسميات وأشكال مغايرة، إلا أن النتيجة تبقى واحدة. بل إن الكثير من الأقطاب السياسية اعتمدت على هذا الخوف كوسيلة رئيسية لتحقيق أهداف سياسية استراتيجية صعبة، ولا سيما تلك التي لا يؤمن القانون سبيلاً شرعياً لاكتسابها. ومع انخراط جزء من اللبنانيين في الحرب الإقليمية الأخيرة، ازدادت مخاوف الكثيرين من نزاع داخلي يدمر ما تبقى من البلاد. فهل نحن حقيقةً أمام خطر حرب أهلية لبنانية جديدة “مكملة”؟
ننطلق في الإجابة عن هذا السؤال من البعد العلمي الاستراتيجي الخالص؛ إذ تعتبر الفوضى التي تشكلها الحرب الأهلية وسيلة رابحة في عدة حالات، وبالأخص في الظروف الحرجة. فعلى الرغم من خطورتها على اللاعبين، إلا أنها قد تكون في بعض الحالات وسيلة لقلب الأوراق وخلق أبعاد جديدة للنزاع السياسي الداخلي أو الخارجي. أما الحاجة إلى قلب الموازين فتأتي بناءً على رغبة أحد الأطراف في كسر التوازن وفرض واقع معيّن لا يمكن تحقيقه عبر الوسائل الناعمة أو السلمية. إضافة إلى ذلك، قد يلجأ البعض إلى اعتماد هذا الخيار كوسيلة لتحوير النزاع في حالات فشل التوجه الاستراتيجي السياسي، بحيث تتيح هذه الفوضى مجالاً أوسع لإعادة تشكيل السردية السياسية، كما تسمح بالتموضع الاستراتيجي على الساحة الداخلية والإقليمية.
أما على المستوى الخارجي، فتشكل الفوضى المسلحة الداخلية إحدى أقوى الوسائل للتحكم بالدول والتلاعب بتوجهاتها السياسية، نظراً لحاجة الأطراف الداخلية إلى دعم خارجي يملأ فراغ السلطة الرسمية الغائبة. ونتيجة لذلك، تحولت الحروب الداخلية إلى وسيلة أساسية تعتمدها الدول للتأثير، حتى أصبحت معظم النزاعات الداخلية نتيجة لتدخل خارجي مخفي أو علني، ولا سيما في الحالات التي تواجه فيها مجتمعات الدولة انقسامات اجتماعية وثقافية.
وبالعودة إلى الحالة اللبنانية، شكلت الكثير من الخيارات الحزبية الداخلية، وما تبعها من احتلال سوري وإسرائيلي، عاملاً في ازدياد الانشقاق العامودي الذي ولدته الحرب. ويُعد تورط حزب الله في حرب أكتوبر الأخيرة أحد تلك الخيارات. فبعد أن كانت السلطات اللبنانية تفشل في التعافي من أزمة اقتصادية لم تشهد لها البلاد مثيلاً، أتت بعض صواريخ الغراد، وما تبعها من دمار وتهجير وانهيار كُرّس في اتفاقية وقف النار، لتنهي ما تبقى من البلاد. ولا سيما أن الكثير من اللبنانيين يرون أنه كان من الممكن تفادي الانخراط في هذا النزاع، أو على الأقل التموضع في وضعية دفاعية في حال حدوث عدوان ما، عوضاً عن شن هجمات صاروخية بناءً على تعليمات من إيران، ومجاهرة بدعم القضية الفلسطينية. وسبب تسليط الضوء على هذه الحقبة يرتكز على ما أنتجته من خطاب كراهية في الداخل اللبناني، حيث عمد فريق حزب الله إلى خلق سردية مفادها سعي الآخرين لإلغاء الطائفة الشيعية، رغم أنها شاركت في صناعة التوجه الرسمي الجديد. ويمكن الاستدلال على ذلك من خطابات التهديد والوعيد التي بثها الحزب، سواء رسمياً أو عبر ممثليه الإعلاميين أو جيوشه الإلكترونية. ولعل هذا التوجه يرتبط أيضاً بحاجة التموضع الاستراتيجي التي سعت قيادة حزب الله لتحقيقها نتيجة خسارة الحرب الأخيرة، والتي انتهت باتفاق أتاح للعدو الإسرائيلي استهداف مقاتلي الحزب يومياً من دون حق قانوني أو قدرة قتالية على ردعه.
وكأن كل ما وقع لم يكن كافياً، حتى أتى فجر الاثنين ليهدد ما تبقى من لبنان، مع إرسال ثلاثة صواريخ غراد كتضامن رمزي لا يستدعي حرباً شاملة، كما صرّح حزب الله. وهو الحزب الذي كان من المفترض أن يتفادى أي نزاع مسلح جديد، على الأقل لترميم ما تدمر خلال الحرب الأخيرة. الأمر الذي يرفع من احتمالية أن يكون هذا العمل قد نُفذ عبر أذرع عسكرية تابعة للحرس الثوري خارج إطار قيادة حزب الله. فالانخراط في نزاع إقليمي بهذا الحجم، في ظل تقهقر عسكري نتيجة الضربات الإسرائيلية اليومية بعد الاتفاق، إضافة إلى التراجع على الساحة السياسية الداخلية الحزبية واللبنانية، يبدو أقرب إلى الانتحار منه إلى المواجهة. هذا الوضع المرير دفع إلى مزيد من التصدع داخل البيئة الواحدة، وقد تجلّى ذلك أولاً في الانشقاق السياسي لحركة أمل، الحليف الاستراتيجي لحزب الله، إضافة إلى النقمة الشعبية الناتجة عن التهجير بسبب الدخول غير المدروس في حرب معروفة النتائج، على الأقل بالنسبة إلى حزب الله. وهو ما يمثل أحد الأسباب الرئيسية التي قد تدفع الحزب إلى السعي لخلق سردية جديدة تعيد رص صفوف البيئة الشعبية المؤيدة، الأمر الذي يمكن تحقيقه عبر نزاع داخلي يشعر هذه الفئة بخطر الوجود وضرورة التمسك بالسلاح، أي أن تكون مبررات الحرب الأهلية مشابهة للمبررات الناتجة عن سرديات الانخراط في النزاع السوري.
أما على المستوى الإقليمي، فهناك سبب آخر يلوح في الأفق، انطلاقاً من العدو الإسرائيلي الذي قد يكون الرابح الأكبر فيما لو اندلعت حرب أهلية، نتيجة لما ستعكسه من قدرة أوسع على التدخل في السياسة الداخلية وتقويض قدرات إيران. إلا أن هذا الخطر يبقى محدوداً أمام خطر هزيمة النظام الإيراني في هذه الحرب، والذي سيؤدي زواله إلى زوال الأركان الرئيسية المكونة لسردية حزب الله على البعدين العقائدي والارتباط الشرعي من جهة، والبعد الاستراتيجي في مسار النزاع مع إسرائيل من جهة أخرى. وهو ما قد يدفع الحزب إلى خلق فوضى مسلحة داخلية تعيد تموضعه على الخارطة الاستراتيجية، ولا سيما مع قدرته على تحقيق أهداف أكثر من الحرب مع إسرائيل، نظراً لتفوق قوته العسكرية على باقي الأطراف اللبنانية. الأمر الذي، في اعتقادي، حرصت إسرائيل على الحفاظ عليه، كونه لا يهدد سوى الداخل اللبناني، وقد يصب في مصالحها يوماً ما.
إلا أن الحرب الأهلية تتطلب ركنين أساسيين، بحيث يتمثل الركن الاول في غياب السلطات الرسمية الشرعية العادلة، والذي يظهر في غياب التوازن بين الفئات، ما يسهل اعتداء فئة على أخرى، أو يدفع الفئة المتضررة إلى اعتماد وسائل خشنة خارجة عن إطار الدولة للدفاع عن وجودها. وهنا يبرز صمام الأمان الأول للبنان، المتمثل في إداراته الرسمية وجيشه اللبناني الذي لا يزال بطريقة أو بأخرى رغم تقاعسه في عدة مواقف يمثل الشرعية والتوازن رغم الضغوط الداخلية والخارجية. إلا أن عملية تجنب الصراع الداخلي ليست بهذه السهولة، إذ إن سبب وجود حزب الله وحصوله على قوته الداخلية يرتكز، بجزء كبير منه، على تردد السلطات في استعمال الحلول العسكرية لإنهاء هذه الحالة. الأمر الذي أحسن حزب الله استثماره عند كل مفترق طرق كادت فيه القوى السياسية الأخرى تحقيق هدف أمام الحزب. ومن ذلك أحداث السابع من أيار، والطيونة، وغيرها من المحطات التي كرست سردية: إما إعطاء حزب الله ما يريد أو الفوضى المسلحة. وتعد الحرب الأخيرة وتراجع قدرة النظام الإيراني على التأثير في السلطات اللبنانية سبباً قد يدفع السلطات نحو خيار عسكري يقوم بما عجزت الدبلوماسية عن تحقيقه.
أما الركن الثاني فيتمثل في الأطراف المعادية، والمتمثلة بالفئات والجماعات الرافضة لوجه حزب الله العسكري وارتباطه بإيران. فهذه التيارات، وعلى عكس ما يروج له بعض إعلاميي الحزب، لا تسعى إلى حرب أهلية مباشرة، وذلك لأسباب عديدة أهمها التقدم الذي تمكنت من إحرازه مع هزائم حزب الله الأخيرة في لبنان والخارج. ففي الوقت الذي كانت فيه هذه الفئات مهمشة وبحاجة ماسة إلى كسر هيبة حزب الله وسطوته، لم تستخدم الحلول العسكرية؛ فلماذا تسعى إلى اعتمادها اليوم بعد تصدع الحزب؟ إلا أنه من جهة أخرى تقع على هذه الجماعات مسؤولية أساسية تتمثل في دعم الشرعية ومحاولة استيعاب الوضع بشكل يزيل الذرائع أمام حزب الله، والتي قد يستفيد منها لقلب الطاولة على الجميع.
أما إعادة حزب الله إلى قواعده اللبنانية كحزب قانوني لبناني نهائي فتعتمد، في الحقيقة، على عنصر أساسي يتمثل في الحاضنة الشعبية للحزب، تتبعها جهود السلطات والفئات المعارضة له. فبرأينا هناك حلان: إما تخلي حزب الله عن السلاح طوعاً، أو تطويعه سياسياً وعسكرياً. أما التخلي الطوعي عن السلاح فلا يمكن تحقيقه ما لم يُرغم الحزب داخلياً على إحداث تغيير فعلي في النهج السياسي والبعد العقائدي. وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا عبر الحاضنة الشعبية التي يتوجب عليها اليوم عدم تأييد أي مشروع خارج النهائية اللبنانية والوجود الشرعي القانوني، وإلا أصبحت شريكاً في رفع احتمالات الحلول العسكرية، والتي من المرجح أن تنتهي بشكل دموي. فلبنان لم يعد قادراً على تحمل السلاح غير الشرعي، ولا سيما أن تفادي النزاع العسكري مع الحزب كان حرصاً على البلاد، أما تدمير البلاد الناتج عن الحرب الأخيرة فيدفع السلطات إلى العمل على الحفاظ على ما تبقى، مستفيدة من تغير الموازين الإقليمية وزوال السيطرة الإيرانية عن المنطقة.