17 Oct 2026
Like this post
مساء الخميس، في السابع عشر من تشرين الأول، كنت أشاهد في سينماPlanet في City Complex في طرابلس فيلم Joker إذ درج وقتها. الفيلم يعبّر عن الإحباط الاجتماعي الواسع ويمجّد العنف الذي يتجلّى في أوجه في أحد المشاهد الأخيرة. في هذا المشهد نرى شوارع مدينة تعمّها الفوضى وأعمال الشغب، بينما تلتفّ الحشود الثائرة حول الجوكر وتهتف بصوت عالٍ وغاضب محتفيةً به. في هذه اللحظة، ولأول مرة في حياته، أحسّ الجوكر بالعدل الدنيوي، ولأول مرة وجد من يفهمه ويسمعه.
خرجت من الفيلم وقد عادت إليّ ثورات لبنان، تلك التي انتفضنا فيها ضد القمع والاحتلال السوري حتى خرج هذا الأخير من لبنان في 2005، وتلك حين انطلق حراك “طلعت ريحتكم” في الـ2015. تذكّرت تلك الأيام المليئة بالأمل وحزنت على واقع الـ2019 الخذيل الذي نعيش فيه تحت وطأة قمع مقنّع يتجلّى بالفقر، وانقطاع الكهرباء، وغياب الرعاية الصحية الموثوقة، والأدوية والمياه النظيفة. هو واقع نعيشه يوميًا بينما ترسل أمم أخرى شهريًا من أراضيها مسابير فضائية إلى ما وراء مجموعتنا الشمسية.
خرجت من الفيلم برفقة صديقتي والغضب والخذلان يرافقاننا ويرافقان إحساس العجز الذي كان قد ملأ خاطرنا. كنّا نتمشّى جميعنا مطأطئي الرؤوس عودةً إلى فراش سينقلنا إلى يوم جديد من الإحباط، حين شهقت رفيقتي قائلةً: “انظر!” موجّهةً إصبع الإشارة إلى أناس واقفين خلف حجارة وإطارات مشتعلة كانوا قد قطعوا بها الطريق أمامنا.
“أين الجوكر؟” قلت لها ممازحًا. الاحتجاجات لم تكن ظاهرة جديدة لم نشهدها من قبل، لكن رسالة هؤلاء الناس كانت جديدة: “الطريق مقطوع، ولن تُفتح حتى تتحقّق مطالبنا. إمّا أن تنضمّوا إلينا، وإمّا أن تعودوا من حيث أتيتم”.
لم أنضمّ إليهم يومها، فسرير الإحباط كان ما زال يناديني. حاولت سلوك طريق ثانٍ للوصول إلى البيت، لأجد الشباب أنفسهم بوجوه جديدة، ثم حاولت سلوك طريق ثالث لأجد إطارات مختلفة مشتعلة بالنار ذاتها وبالغضب ذاته. المشهد كان سينمائيًا منتقلًا ممّا شاهدته للتو في الفيلم إلى شوارع مدينتي العاجزة الفقيرة؟
وصلت إلى المنزل، بتعسّر، إنسانًا مختلفًا عن ذلك الذي خرج من الفيلم، فنمت يومها في سرير لم يعد سريرًا للإحباط، بل كان سرير أمل بُعث من الموت وأخذ يهمس لي بالمشاركة بصوت كان لا يزال خفيفًا لكنّي كنت قد بدأت أسمعه. والأمل لو مات قد يعود إلى الحياة في يوم مفاجئ طال فيه حبل الصبر حتى انقطع. يُبعث في يوم، فيبكي الطفل المبكوم جوعه فيتحرّك، ويرفع فيه العامل المكلوم صوته ويتكلّم.
يتوقّف عندها الامتصاص الصامت للضربات. يُبعث الأمل ويتحوّل صراخًا تراكم على مرّ السنين ضغطًا في الأرواح المكتومة منتظرًا وخزة إبرة لتنفجر فقاعة الذلّ وتحرق المكان بضوضائها. تلك الوخزة كانت الضريبة المقترحة على مكالمات الواتساب، فالثورة لم تكن ثورة على أربع دولارات، بل ثورة على استنزاف استنزفناه حتى كدنا نتلاشى. ولذلك، وخلال ساعات من إعلان هذه الضريبة، خرج الناس من مختلف المناطق والطوائف والخلفيات إلى الشوارع، ليكتشفوا أنهم متشابهون في معاناتهم أكثر ممّا كانوا يختلفون في انتماءاتهم. وهنا كمنت قوة هذه الثورة: كانت موجودة في كل مكان، ممّا جعل احتواءها أكثر صعوبة.
استيقظت في اليوم التالي في بيتي المقارب لساحة عبد الحميد كرامة على أصوات أفهمتني ما يجري قبل أن أراه. من نافذتي نادتني الهتافات التي صرخت “كلهم يعني كلهم”، والموسيقى الوطنية التي صدحت في مكبّرات الصوت التي أعادت إليّ ذكريات الثورات الداخلية والخارجية التي عشتها، وزمامير السيارات التي علمت بعدها أنّها تزيّنت برفرفة العلم اللبناني لا بذلك الأزرق، أو البنفسجي. نادتني فلم أستطع أن أردع نفسي في هذا اليوم كما فعلت البارحة، فصوت الأمل أصبح الصوت الوحيد فيّ. لبست بسرعة ونزلت أمشي باتجاه الساحة بخطوات كانت تتسارع مع تسارع خفقان قلبي كلّما اقتربت من وجهتي التي أعطت لاحقًا لمدينتي اسمها الثورجيّ.
“نحنا مفلسين، عاجزين، ومكسورين، ما عنا غير الواتساب والإنستا والفيسبوك. هول بلاش منستعملهن تنهرب من الواقع… وحتى هول بدهم ياخدوهم منّا…” حلّل لي صديقي سامي، الذي التقيت به صدفةً في الساحة ذلك الصباح عند وصولي. هو أيضًا كان قد دفعه انقطاع خيط الصبر.
كنّا أنا وسامي من أوائل الذين وصلوا إلى الساحة، فعمد الناس إلى البحث عن إجابات من خلالنا:
ولكن في ذلك اليوم بدأنا بجلب الأساسيات. ففي الصباح كنّا أنا وسامي وحدنا، ولكن في المساء، وعلى مرّ اليوم، تجمّع مئة صديق حولنا. فأحضر صديقي عمر الخيم، وجلبت سالي وآية الكراسي. أمّا كهرباء الخيم فمدّنا بها الكشك المجاور للساحة. وقد جمعنا ما تيسّر لنا من المال من بعضنا البعض واشترينا به المياه والأرز والأطعمة المعلّبة. فصحيح أنّنا لم نكن نعرف شيئًا، لكنّنا كنّا على يقين أنّنا سنبقى في الساحة حتى نرى تغييرًا نرغبه. ومنذ ذلك اليوم الذي انقطعت فيه خيوط صبرنا جميعًا، صدح صوت الأمل في صدورنا… أصبحت تلك الساحة، ولسنة ونصف، بيتي.
أشعر بالفخر الأكبر عندما أتذكّر الفترة الأولى تلك، وما شهدته طرابلس في الأسابيع التالية. كانت وسائل الإعلام موجّهة نحو مدينتي لأول مرة ربما في تاريخها، وكانت الصورة النمطية الإرهابية لها تذوب. عزمنا وقتها على الاستفادة من ذلك إلى أقصى حد. فقمنا بإنشاء مساحة حرة إلى جانب الساحة أطلقنا عليها اسم “ساحة ومَساحة”. كان يستطيع الناس فيها التعبير عن أفكارهم، والاستماع إلى الآخرين، للوصول معًا إلى استنتاجات مشتركة. أردنا أن تساهم هذه المساحة في نقل صورة حقيقية لطرابلس تحاكيها وتختلف عن تلك المسكينة المكسورة التي كان الإعلام قد نقلها على مرّ السنين.
وقد وصل عدد أفراد مجموعتي أنا فقط، وفي ذروة الحراك، إلى 400 شخص – عدا عن عشرات الآلاف الذين احتضنتهم ساحات وتجمّعات أخرى. وقد سهّل ذاك إنشاء مطبخ اجتماعي يؤمّن الطعام للمحتجّين، فطرابلس، رغم الثورة والآمال، كانت لا تزال مليئة بالاحتياج. وبالتالي، وللمرة الأولى في حياتي، إن كان ذلك من خلال مجموعتي أو عشرات المجموعات الأخرى التي شابهت مجموعتي وتشكّلت في ساحة النور – وغيرها في أنحاء البلاد -، شاهدت مجتمعي، بكل اختلافاته، يتكاتف. وقد أصبحت مدينتي أنا المنبوذة في البلاد “عروس الثورة”، فأصبح الناس يأتون من مختلف المناطق ليكونوا في ساحة النور! تلك الساحة التي كرهت المرور بها على مرّ السنين لتهوّر سائقيها! تلك الساحة التي كانت واجهة للفقر في المدينة! تلك الساحة أصبحت الوجه الأول للثورة!
بعد مرور ثلاثة عشر يومًا من مرافقتنا اليومية لـ”كلن يعني كلن”، استقال رئيس الحكومة مع حكومته. ثلاثة عشر يومًا فقط! أحسسنا بنشوة البدء بالمشي في طريق الوصول إلى الانتصار الحتميّ، مع علمنا أنّ الطريق كان طويلًا، فرئيس الجمهورية النائم كان لا يزال في منصبه، كما كان النواب أيضًا.
وفرحنا فعلًا لم يدم طويلًا، فقامت الدولة، بعد فترة قليلة، بدسّ المخربين بيننا الذين بدأوا يثيرون الشغب ويقومون بتخريب الممتلكات العامة، ليمنحوا السلطات بذلك ذرائع “شرعية” للتدخّل في المظاهرات. بذلك تحوّل الجيش وعناصر قوى الأمن الداخلي، الذين كانوا يحتسون الشاي معنا قبل ذلك، إلى العدو. وكان هذا العداء يزداد في الليل حين كان أغلب الناس يذهبون إلى بيوتهم فيبقى بضع مئات منّا في الساحات، فنُهاجَم بالقنابل الدخانية والغاز المسيّل للدموع، ونُضرَب بالعصي والرصاص المطاطي، كما تُحرَق خيمنا.
استنشقت في تلك الأيام كمية هائلة من الغاز المسيّل للدموع حتى أصبحت أشعر وكأنّ رئتيّ مليئتان بشظايا زجاج، وقد فقد بعض أصدقائي إحدى عينيه، كما تعرّض آخرون لكسور في ظهورهم وأطرافهم. كانت السلطات تحتجز بعضنا أحيانًا، وفي مرة وصل الأمر بها إلى أن اختطفت ثلاثة من رفاقنا، فلم يعد أحد يعرف مكانهم لثلاثة أيام، حينها كانوا يُخضَعون للاستجواب، وقد أُفرج عنهم بضغط من الثوار، أي نحن. كان العنف متشابهًا في كلّ أنحاء البلاد، فحين كنّا نوحّد قوانا مع ثوار ساحة الشهداء وننزل للإحاطة بمبنى البرلمان، كنّا نتعرّض للعنف نفسه، وهنا كانت خطورة السلمية التي تغنّينا بها في الثورة… أكان يجب أن ندّعي الدموية لتستمر؟
فعليًا، لقد جعلتنا الثورة أقوى، ولكن هذا العنف جعلنا أكثر كرهًا… لم أستطع أن أتصالح يومًا مع فكرة أنّ أبناء بلادي، الذين أقسموا على الدفاع عنّي، تحوّلوا إلى أعداءٍ لي، فلم يكن التبرير الذي اعتمدوه “أنا فقط أنفّذ أوامر عملي” مقبولًا بالنسبة إليّ. لذلك، كنّا نرغب في مواجهتهم بكل ما نملك من قوة، لكنّنا كنّا نعلم أنّهم أرادوا أن نفعل ذلك، ليتذرّعوا أكثر وأكثر بتصرّفنا، ويتوحّشوا علينا أكثر. رفضنا لذلك أن نستسلم لأن يُتلاعَب بنا هكذا، فتحمّلنا الضرب ليلًا، ومن ثم أعدنا بناء ما تهدّم صباحًا، داعين الإنسان داخل كل جندي إلى الاستيقاظ، لكن عبثًا…
ننادي سرابًا غير موجود؟ ننادي إنسانية زائفة أنهكت وقتنا كلّه حتى انتهت الثورة… فالثورة لم تنتهِ بهزيمة الشوارع، بل بإنهاك الوقت…
فالأزمة الاقتصادية المتحضّرة منذ سنين، والتي فجّرتها الثورة والكورونا، زادت من حاجة الناس إلى المال وإلى إعالة عائلاتهم ومرضاهم، فأخذوا بترك الساحات واحدًا تلو الآخر وبالعودة إلى بيوتهم ووظائفهم، تاركين الخيم أفرغ فأفرغ يومًا بعد يوم. أمّا أنا، الذي خسر عمله، بطبيعة الحال، لأنني لم أكن أذهب إليه، فقد بقيت في الساحة، حتى صباح يوم استيقظت فيه في الخيمة – التي كان قد بقي فيها أربعة أشخاص فقط – على أصوات جرافات الجيش تزيل الكتل الإسمنتية المحيطة بالساحة، التي كنّا قد وضعناها. كنت قد خرجت من الخيمة أنظر إلى تلك الجرافات حين اقترب مني أحد الجنود ناظرًا إليّ بشفقة، وقال:
“يا شباب، يلا خلص، روحوا. خلصت. ما بقي حدا غيركم. لمّوا أغراضكم وروحوا… ما فيكم تهزموهم… هنّي بيربحوا”.
لن أنسى يومًا طعم الهزيمة والإذلال الذي شعرت به من كلماته… طعمًا ظلّ يطاردني لوقت طويل…
لم أجبه. جمعت أغراضي وسرت عائدًا إلى المنزل ملتفتًا إلى الوراء، إلى السنة والنصف الماضية، إلى حلم كان يبدو يومًا حقيقة، إلى أمل بُعث من الموت ليعود إليه.
بعد هذا اليوم… أنا أيضًا توقّفت عن العودة إلى الساحة.
توقّفت رغم أنّني لم أرَ التغيير الذي أقسمت أنّني لن أتوقّف حتى أراه.
توقّفت كما توقّف أول حارق دواليب رأيته، ذلك الذي أقسم أنّه لن يتوقّف حتى الاستحصال على مطالبه…
توقّفت…
اليوم، بعد سبع سنوات من يوم البعث ذلك، نتساءل: هل فشلنا حقًا؟ أو ما كان معيار النجاح من الفشل؟
أردنا وقتها إسقاط الكلّ دفعة واحدة كما حصل في باقي البلدان العربية، ونسينا أنّ لبناننا ذو ماضٍ وتركيبة مختلفة عن تلك. فاعتبرنا عدم حدوث ذلك فشلًا.
أمّا اليوم، بالرغم من كلّ الذلّ الذي أحسست به يوم جُرفت من الساحة مع الإسمنت، أرى أنّنا لم نفشل. فالنجاح كان مؤجّلًا، ومختلفًا عمّا كنّا نأمله. فالناس أكثر وعيًا اليوم وأقلّ تعلّقًا بالأحزاب السياسية وبأمراء حربها، كما أنّنا أصبحنا نرى التغيير الآن يحدث من داخل البرلمان، وهو ما لم نتخيّله أبدًا. أضف إلى ذلك أنّ طرابلس حبيبتي عادت إلى خريطة لبنان، ففقدت صورة ضعفها لتصبح: جوكر البلاد.