كذبة لاعب الشطرنج الإيراني

كذبة لاعب الشطرنج الإيراني

لسنوات طويلة، تعاملت قطاعات واسعة من دوائر الدبلوماسية وصناعة السياسات في الغرب مع النظام الإيراني باعتباره لاعبًا استراتيجيًا صبورًا، قادرًا على التفكير لعقود فيما يتفاعل خصومه مع الأزمات بشكل آني. فقد أعطت المفاوضات والدراسات الأكاديمية والنقاشات السياسية طهران مرارًا صورة القوة العقلانية، التي تحكمها حسابات طويلة الأمد، وتتقدّم بحذر في ترسيخ موقعها الإقليمي عبر تصعيد محسوب من هنا، وشبكات وكلاء من هناك، وقدرة أيديولوجية على الصمود. وفي هذه السردية، بدت إيران كأنها لاعب شطرنج بارع، يُعيد تشكيل الشرق الأوسط ببطء عبر المثابرة والانضباط الاستراتيجي. غير أن التطورات الأخيرة كشفت خطأ هذا التقييم. فما نشهده اليوم ليس إلّا انهيار نموذج عجز عن إدراك مدى التحوّل العميق الذي طرأ على طبيعة الحرب نفسها.

العامل الحاسم يتمثّل في التحوّل التكنولوجي. فالذكاء الاصطناعي، والمراقبة الشاملة، والقدرات غير المسبوقة على دمج البيانات أعادت تشكيل القوة العسكرية بصورة أعمق من أي ابتكار عقائدي خلال العقود الماضية. الوصول إلى المعلومات، والقدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات، والتحديد شديد الدقة للأهداف أصبحت عناصر مركزية في التفوّق العسكري. وقد استثمرت إسرائيل بصورة منهجية في هذه القدرات، فدمجت جمع المعلومات الاستخبارية والتحليل الخوارزمي والتنفيذ العملياتي ضمن منظومة واحدة متكاملة. أما إيران ووكلاؤها الإقليميون فلم يطوّروا قدرة مماثلة، ولم يبدُ أنهم أدركوا حجم الاختلال الذي يواجهونه.

كان ينبغي لعملية الـ”بيجر” في أيلول 2024 أن تُشكّل إنذارًا واضحًا بأن البيئة الاستراتيجية تغيّرت بصورة لا عودة منها. فقد أظهر الاختراق بهذا المستوى أن السرّية والتراتبية التنظيمية والولاء الأيديولوجي لم تعُد كافية لتعويض الضعف التكنولوجي والاستخباراتي. ومنذ تلك اللحظة، باتت هشاشة الشبكة واضحة. ثم جاءت الأحداث اللاحقة لتؤكد حجم الانكشاف: اغتيال حسن نصرالله، والتصفية المنهجية للقيادات العسكرية في لبنان وإيران، واغتيال إسماعيل هنية على الأراضي الإيرانية، والقضاء على عدد من العلماء النوويين خلال سنوات متتالية. كل ذلك كشف عن تفوّق استخباري متواصل وصل إلى صلب المنظومة نفسها.

لاعب الشطرنج الحقيقي يدرك وقوع “كش ملك” قبل ظهور الحركة الأخيرة على الرقعة. فالعقلانية الاستراتيجية تقتضي الاعتراف عندما تصبح البنية نفسها مخترقة على نحو لا يمكن إصلاحه. ومع ذلك، واصل النظام التصرف وكأن منطق الردع الذي حكم العقود السابقة لا يزال قائمًا، متجاهلًا الأدلة على أن شبكات قيادته واتصالاته وأمنه الداخلي قد اختُرقت بعمق.

كما فقدت طهران أي ادّعاء قابل للتصديق بامتلاك تفوّق أخلاقي. فالنقاشات حول قانونية العمليات العسكرية الإسرائيلية أو الأميركية ستستمر، والأسئلة القانونية الجدية ستبقى قائمة. غير أن القيادة الإيرانية لا تستطيع واقعيًا الاحتماء بالقانون الدولي بعد عقودٍ استخدم خلالها الحرس الثوري القوة عبر المنطقة، مُعيدًا تشكيل الأنظمة السياسية من خلال الإكراه والعنف. فقد شهدت بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء فترات طويلة خضعت فيها قرارات السيادة الوطنية لاعتبارات استراتيجية إيرانية. وشكّلت الاغتيالات السياسية في لبنان والعراق، ومن بينها اغتيال رفيق الحريري، جزءً من هذا المسار.

حتى في المواجهة الحالية، يُعزّز سلوك النظام فقدان مصداقيته. ففي اليوم الأول للحرب، استهدفت الضربات الإيرانية بنى تحتية مدنية، شملت مناطق في دبي والمنامة ومحيط مطار الكويت الدولي. إن استهداف مراكز اقتصادية ومدنية بعيدة من ساحات القتال المباشر يعكس حالة من اليأس الاستراتيجي ويكشف ضعفًا عملياتيًا، ويُظهر ميلًا لضرب نقاط رخوة بدلًا من مواجهة الاختلال العسكري بصورة مباشرة.

داخل إيران، بلغ القمع مستويات استثنائية، تمثَّل في الفترة الأخيرة بمقتل نحو ثلاثين ألف مواطن إيراني خلال أسابيع قليلة، وهو رقم يوازي تقريبًا نصف عدد الضحايا المسجلين في غزة بعد عامين من الحرب. إن دولةً تقوم بصورة منهجية على القضاء على المعارضين وسجن المفكرين الأحرار والحكم عبر الخوف لا يمكنها فجأة التذرع بالمبادئ التي أمضت عقودًا في تقويضها. ولهذا فإن النقاش حول مصير قادتها يحدث ضمن مشهد أخلاقي تشكّل أساسًا من ضحايا لا حصر لهم أُسكتت أصواتهم قبل التصعيد الحالي بوقت طويل.

بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، تحمل هذه اللحظة بُعدًا شخصيًا عميقًا. فالمشروع الإيراني لم يبقَ منافسة جيوسياسية مجردة، بل طبع الحياة اليومية والمؤسسات الدستورية والمسار الاجتماعي والاقتصادي لبلد بأكمله. فقد ارتبط الشلل السياسي في لبنان ودورات العنف وتآكل السيادة باستراتيجية إقليمية تعاملت مع البلاد كساحة عمليات. وتبقى أسماء سمير قصير، وجبران تويني، ولقمان سليم، ومحمد شطح، ورفيق الحريري، وباسل فليحان، وغيرهم كثيرين، تذكيرًا بالمساحة الفكرية والسياسية التي دمّرها عمدًا النظام الإيراني وحليفه في دمشق ووكيله في لبنان.

كان متوقّعًا أن الحرب هي الآلية التي سيُحسم عبرها هذا الصراع في نهاية المطاف، حتى لدى أولئك الذين تمنّوا أن يأتي التغيير عبر المحاكم وآليات المساءلة أو التحوّل السياسي المحلّي القائم على القانون وعلى الإرادة الشعبيّة. إن الطريقة التي تتكشف بها الأحداث تحمل معضلات أخلاقية خاصة بها، لكنها تمنح أيضًا شعورًا عميقًا بالتحرّر لمن عاشوا تحت وطأة هذا النظام. وأجد نفسي أفكر بابنيّ الصغيرين، اللذين لا يزالان في سنواتهما الأولى، وأشعر بالطمأنينة لفكرة أنهما قد يكبران من دون أن يعرفا الخوف والعنف والاختناق الذي فرضه هذا النظام ووكلاؤه على لبنان والمنطقة لعقود.

ولا يُعفي ذلك الأطراف التي تواجه إيران من المساءلة. فقد أدى النهج التفاوضي الفجّ لدونالد ترامب في السياسة الدولية إلى تمكين أسوأ الأنظمة القمعيّة حول العالم. وبنيامين نتنياهو، في رأيي، مجرم حرب تسببت سياساته بمآسٍ لن تُشفى المنطقة منها. ولا يوجد ما يضمن امتلاك القوى الخارجية رؤية متماسكة لمستقبل إيران السياسي، كما لا توجد ضمانة بأن أي انتقال سيؤدي إلى نتيجة ديمقراطية. فقد يولّد المشهد ما بعد النظام أشكالًا جديدة من القمع أو عدم الاستقرار.

هذه الحقائق جميعها قائمة في الوقت نفسه. لكنها لا تجعل الحفاظ على النظام الإيراني خيارًا قابلًا للدفاع. فالنظام القائم على القمع داخليًا وزعزعة الاستقرار خارجيًا لا يمكنه الادّعاء بالدوام فقط لأن خصومه تشوبهم عيوب أو تُحرّكهم مصالحهم الخاصة. فالتغيير التاريخي غالبًا ما يأتي عبر قادةٍ غير مثاليين وظروف أخلاقية معقدة.

يدخل الشرق الأوسط الآن مرحلة من عدم اليقين ستتضح نتائجها خلال سنوات، وربما عقود. إن تفكيك شبكات بُنيت على مدى أربعين عامًا سيخلّف فراغات مؤسساتية ومخاطر أمنية وتحديات إعادة إعمار هائلة. وستحتاج المجتمعات التي صاغتها حروب الوكالة والاستقطاب الأيديولوجي إلى قدر كبير من الصبر والقدرة على التحمّل لإعادة بناء حياة سياسية أكثر صحة.

ومع ذلك، فإن نهاية الوهم بحدّ ذاتها تحمل أهمية. فقد غيّرت التكنولوجيا ميزان القوة بطُرق لم تعُد الأيديولوجيا قادرة على تجاوزها. انهارت السرديات الاستراتيجية أمام واقع جديد تحكمه المراقبة والبيانات والحرب الدقيقة. واكتشف نظام اعتقد أنه يخوض لعبة طويلة ومتقنة، متأخرًا جدًا، أن قواعد اللعبة قد تغيّرت.

بالنسبة إلى الضحايا الذين لا يُحصَون في إيران والعالم العربي، تحمل هذه اللحظة ثقل عدالة تأخرت طويلًا. وسيأخذ كثيرون نفَسًا عميقًا صادقًا، وهم يشعرون بأن فصلًا طويلًا طبعته الاغتيالات والخوف وتصدير الإرهاب يقترب من نهايته.