رسالة من غزة إلى السودان جرحكم جرحي

رسالة من غزة إلى السودان جرحكم جرحي

لماذا يُصلَب السودان على صدورٍ صامتة غير مضطربة؟ لماذا تغيب صرخات السودان في لجيات عالم يصدح بطقطقات كؤوس الحفلات؟ لماذا يضيع منّا الضوء في زمن بهرج الأنوار والألوان؟ لماذا يزاح السودان إلى عتمةٍ بعيدة؟ ولماذا يضيع الصوت، وتنحرف الكلمة وتتقولب، وتتعنصر الجغرافيا في صدى الآلام؟ ماذا يحصل يا سودان؟

سألتُ ’ChatGpt’ عن الحاصل في السودان، تماماً كما يبحث الشخص الذي يحتسي قهوته الصباحية على سريره المصنوع من خشب أقدام النمل.
وبدأتُ أقدّم تساؤلاتي عن المسبِّب، وعن المتابع، وعن تعقب صوت الضحية، عن الفترة الزمنية الطويلة التي تصهر منتظري الفرج، الفرج الذي يبتعد عن أيدينا يوماً بعد يوم. عن تلاشي صرخات المعذبين الضائعة في أحناك الساسة الغرباء، الذين يظنون أنّ موت الضحايا قضية حبر في قلم طائع.

قرأتُ من إجابة محرك البحث الحديث أن خبراء المجلس الأمن لا يقدمون إثباتاً قاطعاً بتورط دولٍ ما في دعم قواتٍ تسحق السودان. وقرأتُ أنّ المساءلة القانونيّة لتحديد المتورط الحقيقي تحتاج وقتاً. قرأتُ عن إبادات حاصلة، وقصف عشوائي، وحصار طويل. قرأتُ عن تلك المسميات الثلاثة الضخمة سطراً واحداً فقط، لم يذكر السطر أسماء ضحايا، أو صرخات ثكلى، أو ظلال الغائبين أبداً.

كان يتعامل “ChatGPT” معي كباحثٍ هاوٍ، يتناول الأزمات بمصطلحات الأكادميين، ويخبر عن الضحايا كنقطة دراسيّة صغيرة، وعن أسلحة الدمار كلعبة بيد ذكرٍ صنعتْ منه رجلاً بطريقة يحبها مصاصوا الدماء وبارقوا الأعين الباحثة عن خيرات الشعوب، تلك الشعوب الضائعة في أزمات لا تعرف عنها غير تكلفتها.

بهذه البساطة يمنحنا محرك البحث الحديث أزمةً تطوي الآلاف في سجلات الغياب، وبهذه اللغة التي يظنون أنهم يقفون بها وبمفرداتها أمام ضمائرهم تجاه مخلفات تزوي الآلاف في كهوف الحسرة الأبدية في قيود العاهات المستدامة، وفي جيوب الأسى الداخلي الذي لا يمكن تبديده أو معالجته.

نسبة مئوية، وصف لغوي، بحث استقصائي، وتقرير إخباري في إطارات ملونة وحديثة على طبق الفضوليين تقدّم مأساة الشعوب التائهة بين مطرقة العالم الأول وسندان الجرذان الذين يرتدون أزياءً عسكريّة أو بُدلاً وربطات عنق؛ الذين آثروا أن يكونوا جِرذاناً مطيعةً على حساب شلالات الدماء التي لا تكلف أحداً من العالم غير أوصافٍ ومفردات!

ماذا لو كانت هذه الأزمات في العالم الأشقر؟
تخيلوا عاصمة غربية تضخ صرخات تشابه نصف صرخات السودان، هل سيكتفي العالم بوصف، بتقرير؟! هل سيعانون من عقبة الوقت القصير والأزمة الممتدة؟ وإلا فلماذا يهمشون قضايانا ويقصونها إلى زوايا النظريات؟
الإدانة كلمة مبتذلة، الدفاع عن الحقوق الأساسية مجرد كلمة أخرى، الإنصاف كلمة ثالثة، المحاسبة كلمة رابعة تأخذ هي الأخرى دورها على طابور الكلمات التي تقال لمجرد أن تقال… لا أفعال في دنيا أزمات العالم الثالث.

بينما الكل يتحرك بكل حواسه لأجل رفاتٍ في أتربة غزة يبتغي العالم كله إعادتهم ومعرفة أسمائهم، وفحص دقيق لهوياتهم، ودفن رسمي لهم. بينما ينطوي الآلاف في باطن أرض مظلومة مجردين من الأسماء والملامح والأحلام. منسيون، مقتولون كأكوام نملٍ يفعصها طفل يلعب بأصابعه لعبة السحق!

أخبار مآسينا كأخبار الطقس في آخر النشرة، بأسذج العبارات ومركولة إلى حيز الهامش.
أيها السودان، أنا من يعرف ماذا يعني أن تجوع، أعرف أن الانتقال ما بين حرف وآخر من كلمة “الجوع” هو طريق طويل يقصم ظهور الآلاف ويصهر الأمعاء في حميمه.
وأنا من يعرف ماذا تعني الإبادة، بصوت الغارات، بقوة انفجارها، بعفاريتها الذين لا ينفكون من الأذهان أبداً أبداً.
وأنا من يعرف ماذا يعني القصف العشوائي، الذي يجعل من الإنسان دجاجةً وسط قفص تختار منه يدٌ ملطخة لنصلٍ متسخ وحاد.
أنا من يعرف بصفة الحضور في غزة، أنا غزة التي لا تسمع بأذن المذيع، ولا تستحكم بعبارات محركات البحث، ولا تفهم حسب لعبة بياناتهم المقننة.
ألا تسمع صوت السودان يعني أن تجف دماء غزة التي لم تتوقف عن السيلان.

لن تغير كلماتي شيئاً، لكنها تدرك الحاصل جيداً، وتمتدُّ إلى قطار العجز الذي يعيشه عالم مقصى في شرنقة المؤخرة وفق ترتيب السيّاف والسلاّخ.

انتهيتُ من قراءتي على محركات البحث، ووقفتُ عن الرصيف الذي أسكنه، ونفضتُ الأغبرة عن مؤخرتي، ونظرتُ في السماء – حيلة العاج، وقلتُ: تعلق مأساتنا في أذهان الإنسان الحضريّ كما يعلق التراب في مؤخرتي، إن عَلِق كان في المؤخرة، وإن سقط فهو شيءٌ يُنسى.

أيتها السيدة السودانية، جرحك جرحي، وأنا من يعرف ماذا تعني الجراح حقاً، وزيادة الوصف في مصابكم هو كفر ليس إلا.
فجرحكم جرحي، جرحي، جرحي، جرحي!