4 Jul 2025
Like this post
ظهرت أولى ملامح علاقة الودّ غير المتوقعة بين دونالد ترمب وإيلون ماسك منذ الفترة الرئاسية الأولى لزعيم الحزب الجمهوري. فبعد فوز ترمب بالرئاسة في العام 2016، فاجأ ماسك الكثيرين بقبوله الانضمام إلى مجالس استشارية تابعة لإدارة ترمب. وعلى الرغم من أن ماسك عُرف بتوجهاته الليبرالية ودعمه للديمقراطيين، إلا أنه سعى للعمل مع الرئيس الجديد من بوابة التقارب الاقتصادي. فقد حضر اجتماعات في البيت الأبيض وكان عضواً في كل من المنتدى الإستراتيجي للاستشارات الاقتصادية ومجلس التصنيع الذي شكّله ترمب. تمثل الهدف من منظور إيلون ماسك في التأثير من الداخل على سياسات الإدارة، خصوصاً في قضايا التكنولوجيا والطاقة النظيفة، مستفيداً من مكانته كمؤسس لشركتي تيسلا وسبيس إكس.
من جانبه، رحّب ترمب بهذا التقارب وحرص على إبداء إعجابه بماسك بشكل علني. فقد كال الرئيس المديح للملياردير الشاب ووصفه بأنه أحد “عباقرتنا العظام” مشبهاً إياه بالمخترع الشهير توماس إديسون. وفي مقابلة له على هامش منتدى دافوس في كانون الثاني 2020، وصف ترمب ماسك على “أنه أحد كبار العباقرة، ويجب أن نحمي عباقرتنا“، وأشاد كذلك بالنجاح السريع الذي حققته تيسلا، والتي تجاوزت قيمتها السوقية 100 مليار دولار آنذاك.
ولم يخلُ الأمر من نبرة براجماتية في تصريحاته، إذ ألمح ترمب إلى نوع من المقايضة بقوله إن ماسك “سيفتتح مصنعاً ضخماً جديداً في الولايات المتحدة. عليه فعل ذلك، لأننا ساعدناه وعليه أن يساعدنا” في إشارة إلى أن الحكومة قدمت دعماً لمشاريعه وربما تنتظر منه توسيع الاستثمار الصناعي داخل البلاد. هكذا حصل ترمب على صك التأييد من رائد تكنولوجيا بارز يُظهر أن إدارته صديقة للابتكار، وينال ماسك من جانبه مقعداً على طاولة صناعة القرار.
على الرغم من الانطلاقة الودية، حملت العلاقة بين ترمب وماسك بذور خلاف عميق حول القضايا الجوهرية. الاختبار الأول جاء سريعاً في العام 2017 عندما قرر ترمب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ. ماسك، الذي جعل من الاستدامة البيئية محوراً لشركة تيسلا، عارض الخطوة بشدة. وحاول إقناع ترمب بالعدول عن الانسحاب، لكن حين لم ينجح أعلن عن استقالته احتجاجاً من المجالس الاستشارية الرئاسية.
وكتب ماسك آنذاك عبر تويتر: “التغيّر المناخي أمر حقيقي، والانسحاب من اتفاق باريس ليس جيداً لأميركا أو العالم“. كانت تلك إشارة مبكرة إلى أن التقارب بين الرجلين ملغوم بالخلافات المبدئية. فحتى أثناء تعاون ماسك مع الإدارة، لم يتردد في الوقوف علنا ضد سياسات ترمب البيئية.
بمرور الوقت، اتسعت فجوة المواقف بين ترمب وماسك لتشمل ملفات أخرى. ففيما تبنّى ترمب سياسات حمائية كفرض رسوم جمركية عالية على الواردات، كان ماسك يميل إلى نهج أكثر تحرراً بحكم انخراط شركاته في سلاسل توريد عالمية. ولم يتردد ماسك في انتقاد حرب ترمب التجارية، محذراً من أن تعريفات ترمب الجمركية قد تدفع الاقتصاد الأميركي نحو الركود. وتجلى التباعد بين الثنائي أيضاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
في تصعيد ظاهر، اختار إيلون ماسك في البداية توجيه دعمه نحو شخصيات جمهورية أخرى عبر منصة X. فقد أشار صراحة إلى تفضيله حاكم فلوريدا رون دي سانتيس كمرشح رئاسي للعام 2024، ما عُدّ نأياً بنفسه عن ترمب. هذا الموقف أثار غضب الرئيس السابق الذي هاجم ماسك علناً للمرة الأولى في منتصف 2022، واصفاً إياه بأنه “فنان قذر” زاعماً أن ماسك كذب عندما قال إنه لم يصوت قط لجمهوري من قبل لأنه قد سبق وأخبره بأنه قد صوّت له. وردّ ماسك حينها بلهجة لا تقل حدّة، فدعا ترمب إلى “تعليق قبعته والإبحار نحو الغروب” (أي اعتزال السياسة) مؤكداً أنه لا يكره ترمب “لكن البلاد بحاجة للمضي قدماً بدونه“. تبادل الشتائم هذا عبر الإنترنت كشف عن أن العلاقة التي بدأت بتحالف المصالح، انزلقت نحو عداء شخصي متصاعد.
مع فوز ترمب المفترض في انتخابات 2024 وعودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني 2025، بلغت علاقته بإيلون ماسك مرحلة جديدة وغير مسبوقة. فقد أسند ترمب إلى ماسك دوراً رسمياً في إدارته الثانية، إذ عيّنه على رأس “هيئة الكفاءة الحكومية” (لجنة خاصة مكلفة بمراجعة كفاءة الإنفاق الحكومي). اعتُبر ذلك بمثابة تتويج للتحالف بينهما. ماسك رحّب بالمهمة قائلاً إنه مستعد لخدمة أميركا “بلا أي مقابل أو منصب شرفي“، في مشهد بدا كشهر عسل جديد بين الرجلين حيث ظهرا سوياً عدة مرات في مطلع 2025.
بيد أن هذا الوفاق لم يصمد طويلاً. فمع منتصف 2025 تفجر الخلاف بشكل مدو على خلفية مشروع قانون الموازنة الفيدرالية الذي طرحه ترمب واعتبره تتويجاً لأجندته الاقتصادية. تضمن المشروع إنفاقاً ضخماً مع اقتطاعات في مجالات معينة من بينها الحوافز الممنوحة للسيارات الكهربائية. انتقد ماسك علناً هذا المشروع ووصفه بأنه “يثير الاشمئزاز“، محذراً من أنه سيؤدي إلى تفاقم العجز. أثارت تصريحات ماسك حفيظة ترمب الذي لم يكن معتاداً على معارضة كهذه من حليف مقرب. واستغل ترمب اللقاء الصحفي في المكتب البيضاوي أثناء استقباله المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس ليُعبر بوضوح عن خيبة أمله: “إيلون وأنا جمعتنا علاقة رائعة. لا أعرف ما إذا ستبقى كذلك“. وأضاف: “فاجأني انتقاده بعد أيام فقط من مغادرته منصبه الحكومي على رأس هيئة الكفاءة“. وفي السياق نفسه، علّق ترمب بأن مدير شركة تسلا “كان على دراية بتفاصيل مشروع القانون أكثر من أي شخص هنا ولم يبدِ أي اعتراض أثناء عمله معنا”، وهو الأمر الذي نفاه إيلون ماسك.
لم يكتفِ ترمب بذلك أمام الكاميرات، بل صعّد الموقف لاحقاً عبر منصته “تروث سوشال” بتصريحات حادة مباشرة نحو ماسك. أكد الرئيس أنه “طلب من إيلون المغادرة” من منصبه كرئيس هيئة الكفاءة، واصفاً إياه بـ”المجنون“. واتهم ترمب ماسك بأنه كان “يستنزف قواه” في المنصب. كما تباهى ترمب بأنه سحب التفويض الخاص بالمركبات الكهربائية الذي كان يجبر الشركات على تصنيع المزيد منها، وكتب عن ماسك: “كان يعلم منذ أشهر أنني سأفعل ذلك، ثم أصيب بالجنون“.
رد فعل إيلون ماسك لم يتأخر وجاء على الدرجة نفسها من الجرأة والصدامية. فبُعيد تهجمات ترمب مباشرة، انتقل ماسك إلى منصته “إكس” ليطلق سلسلة ردود هزت المشهد السياسي. نشر ماسك استطلاعاً للرأي يسأل فيه متابعيه الذين يفوقون 140 مليون عما إذا كان قد حان الوقت لتأسيس حزب سياسي جديد في أميركا “يمثّل فعلياً 80% من الطبقة الوسطى“. خلال أقل من ساعة، تجاوز عدد المشاركين مليون مصوّت صوّتوا بـ”نعم”. ماسك لم يكتفِ بذلك، بل أتبع الاستطلاع بتفجير ما وصفه بـ”القنبلة الكبرى“، إذ كتب “حان وقت إلقاء القنبلة الكبرى. ترمب موجود في ملفات إبستين. هذا هو السبب الحقيقي لعدم نشرها. يوماً سعيداً يا دونالد ترمب”. في هذا الاتهام يشير ماسك إلى وثائق قضية الملياردير الراحل جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية زاعماً أن اسم ترمب وارد فيها وأن الإدارة (أو السلطات) تتكتم على بعض تلك الملفات لحماية الرئيس. بهذه التغريدة، أدخل ماسك ترمب في دوامة فضيحة أخلاقية خطيرة، ملمحاً إلى أن بين يديه ورقة ضغط على الرئيس الأميركي. وأردف ماسك بتغريدة أخرى قال فيها “تذكروا هذه التغريدة مستقبلًا، فالحقيقة ستظهر” في تصعيد دراماتيكي للصراع الشخصي بينهما.
شكلت هذه التطورات ذروة الانفجار العلني للعلاقة. فهي لم تعد خلافاً خلف الأبواب المغلقة حول سياسة ما، بل تحولت إلى تبادل اتهامات شخصي على أعلى مستوى. رئيس أميركي يصف أبرز رجال الأعمال بأنه “مجنون” ويهدد بتدميره مالياً، وملياردير يلمح لضلوع ذلك الرئيس في فضيحة أخلاقية مزلزلة. وكما وصفت ذلك شبكة NPR ، لقد وصلت العلاقة إلى “نهاية تحالف استمر أطول مما توقعه الكثيرون، وانتهى بانفجار شديد العلنية“.
يتركنا فصل الصراع بين ترمب وماسك أمام مشهد غني بالدلالات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة. فعلاقة الرجلين التي بدأت بشكل غير مألوف (بين شعبوي يميني ومبتكر تكنوقراطي ليبرالي التوجه) ثم انهارت بطريقة صاخبة، تبرز أولاً ما نسميه “شخصنة السياسة الأميركية المعاصرة“. رئيس يستخدم منصبه للمكافأة (تعيين ماسك في دور استشاري رفيع) ثم للمعاقبة (التهديد بقطع التمويل والعقود عن شركاته). هذا النمط يبعث برسالة مثيرة للريبة لكبار رجال الأعمال مفادها أن الولاء الشخصي قد أصبح معياراً للتعامل مع السلطة، ومن يخرج عن الخط سيتعرض لتبعات اقتصادية. وربما سيجعل ذلك الكثيرين يعيدون حساباتهم قبل ربط مصالحهم علناً بأي سياسي مثير للجدل.
في المقابل، أظهر إيلون ماسك أن لكبار المليارديرات “دوراً سياسياً متنامياً” يمكن أن يقضّ مضجع كبار الساسة. فقد ضخ ماسك أموالاً طائلة لدعم حملة ترمب، وكان حضوره في الإدارة بمثابة ضمان لسياسات أكثر صداقة للتكنولوجيا والأعمال. وعندما انهار تحالفهما، لم يتردد ماسك في محاولة توظيف شعبيته لتوجيه ضربة سياسية (فكرة حزب جديد) وكشف أوراق ضغط خطيرة تهدد سمعة خصمه. هذا يجعلنا نتساءل: هل دخلنا عصراً جديداً يتنافس فيه رجال الأعمال مع السياسيين على قيادة الرأي العام وصنع الأجندة؟ وهل يمكن لشخص مثل ماسك، بثروته ومنصاته، أن يشكل تياراً سياسياً ثالثاً يتحدى النظام القائم؟ الاستطلاع الذي طرحه عبر منصته أظهر قابلية الفكرة نظرياً، لكن ترجمتها عملياً تصطدم بواقع النظام الانتخابي الأميركي ثنائي القطبية.
اقتصادياً، يسلط هذا الخلاف الضوء على مدى هشاشة التشابك بين السياسة والاقتصاد. فعلى المدى القصير، كلفت المعركة العلنية كلاً من ترمب وماسك تبعات اقتصادية. ترمب خسر أكبر داعميه الماليين وربما قسماً من ناخبي الوسط الذين قد يتأثرون باتهامات ماسك الجارحة، وماسك خسر مليارات نتيجة تعرض مشاريعه لهزة ثقة. وعلى المدى البعيد، قد يؤثر نهج ترمب الانتقامي، إن استمر، على مناخ الاستثمار في قطاعات حيوية. فإذا شعر رواد الأعمال أن الاستثمارات في الطاقة النظيفة أو الفضاء ستصبح رهينة التجاذبات السياسية، فقد يترددون في ضخ الأموال بها، أو ربما يتجهون للأسواق الخارجية بحثاً عن استقرار سياسي أكبر.
سياسياً، قد تكون لهذه القطيعة ارتدادات داخل الحزب الجمهوري نفسه. صدامهما العلني قد يدفع بعض الساسة الجمهوريين لإعادة تقييم مدى الارتهان الكامل بترمب. فإذا شعر جناح من الحزب أن عداء ترمب لرواد الأعمال التقدميين قد يضر بالنمو الاقتصادي أو بصورة الحزب لدى المستقلين، فقد يسعون لخطاب أكثر اعتدالاً لاستقطاب شخصيات شبيهة بماسك. وعلى الضفة الأخرى، ربما يقرأ الديمقراطيون المشهد بعين الرضا، فخصومهم (ترمب وأحد داعميه البارزين) يتناحرون بما يقوّض كلاهما الآخر. بيد أن الديمقراطيين لن يسعدوا تماماً بنقل ماسك لبندقيته إلى كتفهم. فقد أصبح شخصية مثيرة للانقسام يصعب تبنيها سياسياً، على الرغم من أن سياساته الأصلية (سياسة الطاقة النظيفة مثلاً) تتماشى مع أجندتهم. بعبارة أخرى، انتهى ماسك إلى موقع ضبابي سياسياً. لا هو حليف مقبول هنا، ولا بطل محبوب هناك.
بعد “نهاية الود”، سيكون على كل من ترمب وماسك إعادة تقييم استراتيجياتهما. ترمب يُدرك الآن أن حتى أوفى داعميه يمكن أن ينقلبوا إذا تعارضت المصالح، وماسك تعلم، ربما بالطريقة الصعبة، أن الدخول في لعبة السياسة على أعلى المستويات يجلب عليه أضواء لا ترحم وقد يضر بأعماله وسمعته. وفيما ينتظر الجميع فصلاً جديداً من طموحات كلا الرجلين، يبقى اليقين أن تجربتهما المشتركة ستُدرّس في الحقل الأكاديمي كواحدة من أغرب ثنائيات السياسة والاقتصاد في التاريخ الأميركي الحديث: ثنائية حملت الكثير من الوعود وانتهت بكثير من التحذيرات والدروس.