29 May 2026
Like this post
تعدّ تهمة “العمالة” مرتبطةً في الوعي الجماعي اللبناني بمعانٍ ثقيلة تتجاوز البعد القانوني نحو البعد الأخلاقي والوجودي، باعتبارها واحدة من أخطر التهم التي يمكن أن تُوجَّه إلى الفرد داخل مجتمع عاش عقودًا من الصراع مع إسرائيل من جهة، ومقاومة الوصايات من جهة أخرى، وما رافق ذلك من احتلال وحروب واختراقات أمنية.
ففي السياق اللبناني، لم تكن العمالة مجرد مخالفة قانونية، بل كانت تمثل سقوطًا وطنيًا وأخلاقيًا يضع المتهم خارج الجماعة السياسية والاجتماعية معًا. إلا أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا عميقًا في وظيفة هذا المفهوم، حيث انتقل تدريجيًا من توصيف يرتبط بالتعاون الفعلي مع العدو، إلى أداة خطابية تُستخدم في الصراع السياسي الداخلي، وخصوصًا في مواجهة معارضي حزب الله وخياراته السياسية والعسكرية والإقليمية.
في الأنظمة السياسية الهشة أو المجتمعات التي تعيش صراعات وجودية، غالبًا ما تُستخدم مفاهيم الوطنية والخيانة بوصفها أدوات لإعادة تنظيم المجال السياسي. وأشار المؤرخ الفرنسي ميشال فوكو، والذي اشتهر بدراساته حول ارتباط السلطة بالمعرفة، إلى أن السلطة لا تعمل فقط عبر المؤسسات القمعية، بل أيضًا عبر إنتاج الخطابات التي تحدد ما هو “حقيقي” و”شرعي” و”وطني”. وفي الحالة اللبنانية، يمكن ملاحظة كيف جرى إنتاج خطاب سياسي يجعل من الاعتراض على سلاح حزب الله أو انتقاد دوره الإقليمي أمرًا قابلًا للتأويل بوصفه تهديدًا “للمقاومة” بمعناها المتجرّد من واقعه المتأزٌم نتيجة تخطّي الجناح العسكري لحزب الله البديهيات الدفاعية الوطنية نحو دور إقليمي بالوكالة، وبالتالي يعدّ تهديدًا للوطن نفسه بالنسبة للعامة. وبهذه الطريقة، لم يعد النقاش السياسي يدور حول السياسات أو الخيارات الاستراتيجية، بل حول أخلاقية المعترض وولائه الوطني بحسب المعايير الداخلية المستجدّة.
ربما تكمن المشكلة الكبرى في مساهمة هذا الاستخدام المكثف لتهمة العمالة في تحويلها من توصيف قانوني دقيق مستند إلى وقائع ملموسة ومسؤولية قانونية شخصية، إلى أداة هيمنة رمزية. فبدلاً من أن تُستخدم ضد من يثبت تعاونه مع العدو، أصبحت تُستعمل لضبط حدود النقاش العام وإنتاج الطاعة السياسية، فأصبح من المتوقّع مسبقًا من سيطلَقُ عليه تُهم العمالة ومن سيعفى منها، وذلك على الرغم من ثبوت تورّط عناصر في حزب الله مباشرةً بالتخابر مع إسرائيل، وذلك في فترة ما قبل حرب إسناد غزة في العام 2023 وحتى ما بعد حرب إسناد إيران. إلا أن كمّ التورّط هذا، لم يجعل قاعدة حزب الله الشعبية تتراجع عن اتهام معارضي الحزب بالعمالة، ولم يجعل قادته يتنازلون عن تسمية بعض الاستحقاقات الديمقراطية الوطنية كالانتخابات النيابية مثلًا بأنها “حرب تموز سياسية” ما يحوّل الخصوم في أذهان الناس مباشرةً إلى أعداء، بل شكّل سببًا إضافيًا للمزيد من التخوين بغية كفّ النظر عن حقيقة وواقع العمالة في لبنان.
وهنا تظهر أهمية مفهوم “العنف الرمزي”، حيث تُفرض الهيمنة ليس بالقوة المباشرة فقط، بل عبر السيطرة على اللغة والمعاني، بحيث يصبح المعارض مضطرًا للدفاع عن “وطنيته” بدلاً من الدفاع عن أفكاره السياسية، بل وأحيانًا التراجع عن أفكاره السياسية لتجنّب المحاسبة العبثيّة. وبهذا المعنى، يتحول التخوين إلى تقنية لإخضاع المجال العام، لأنه يدفع الأفراد إلى ممارسة رقابة ذاتية خوفًا من العزل الاجتماعي أو الاتهام الأخلاقي.
إن أخطر ما في سيكولوجيا التخوين لا يكمن فقط في الاتهام بحد ذاته، بل في الأثر النفسي والاجتماعي الذي يخلّفه داخل الجماعة. ففي البيئات الأيديولوجية المغلقة، لا يخشى الفرد العقوبة القانونية بقدر ما يخشى فقدان الاعتراف الاجتماعي والانتماء الرمزي. لذلك يصبح التخوين أداة فعالة لإنتاج الخوف الجماعي، حيث يشعر الأفراد أن أي اعتراض قد يعرّضهم للنفي المعنوي من الجماعة الوطنية أو الطائفية أو السياسية. وهكذا، يتراجع النقاش الحر لصالح الامتثال، ويصبح الصمت شكلًا من أشكال الحماية الذاتية، فيتراجع تلقائيًا معظم الراغبين في فتح نقاشٍ بنّاء.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في أن الإفراط في استخدام تهمة العمالة يؤدي تدريجيًا إلى إضعافها نفسها. فعندما تُستخدم الكلمة ضد الصحافي والناشط والأكاديمي والمعارض والسياسي المختلف، تفقد قدرتها على التمييز بين الاختلاف السياسي والتعاون الحقيقي مع العدو. ومع الوقت، تنشأ حالة من “التطبيع النفسي” مع التهمة، حيث تصبح جزءًا من الضجيج السياسي اليومي، لا حدثًا استثنائيًا يثير الصدمة الوطنية ويدعو العموم لمحاسبة الفاعل على خيانته. وبدلاً من أن تبقى العمالة قضية أخلاقية جامعة، تتحول إلى مجرد أداة سجالية تخضع للانقسام السياسي والطائفي.
هذا التفريغ التدريجي للمفهوم يحمل نتائج شديدة الخطورة على مستوى الوعي العام. إذ إن المجتمع الذي يستهلك تهمة العمالة يوميًا في نزاعاته الداخلية يفقد تدريجيًا حساسيته تجاه العملاء الفعليين. فحين يصبح الجميع “عملاء” وفق الخطاب السياسي، يصبح العميل الحقيقي أقل وضوحًا، وتصبح الحقيقة نفسها خاضعة للانقسام الأيديولوجي. هنا تحديدًا يتحول التخوين من وسيلة يُفترض أنها تحمي المجتمع، إلى عامل يُضعف مناعته الرمزية والأخلاقية.
وفي السياق اللبناني تحديدًا، ارتبط هذا المسار أيضًا بإعادة تعريف مفهومي السيادة والوطنية. فبدلاً من أن تكون الدولة المرجعية النهائية لتحديد الشرعية الوطنية، جرى تدريجيًا نقل هذا الدور إلى الفاعل الحزبي أو الأيديولوجي. وأصبح معيار “الوطني” مرتبطًا بموقع الفرد من مشروع حزب الله وخياراته مهما بلغت كارثيتها، لا بموقعه من الدولة اللبنانية أو الدستور أو المؤسسات. وبهذا المعنى، لم يعد التخوين مجرد أداة دفاعية، بل تحول إلى آلية لإعادة تشكيل الهوية الوطنية نفسها.
وقد يساعد هنا استحضار أفكار كارل شميت حول السياسة بوصفها تمييزًا بين “الصديق والعدو”. ففي الخطابات الراديكالية، يتم اختزال المجال السياسي إلى صراع وجودي أخلاقي، بحيث لا يعود الخصم السياسي منافسًا داخل الجماعة الوطنية، بل يتحول إلى تهديد ينبغي عزله أو نزع شرعيته. وهذا ما يجعل التخوين يتجاوز حدود السجال السياسي نحو إنتاج انقسام وجودي داخل المجتمع نفسه.
إن أخطر ما أنتجه هذا المسار هو تآكل المجال الوطني المشترك في لبنان. فحين تُحتكر الوطنية من قبل جماعة سياسية محددة، يصبح الاختلاف السياسي شبه مستحيل من دون التعرض للاتهام الأخلاقي. وبدلاً من أن تكون السياسة مساحة للنقاش والتعددية، تتحول إلى محكمة دائمة للنيات والانتماءات. وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود التخوين مجرد خطاب، بل يصبح بنية نفسية وثقافية تعيد تشكيل المجتمع وفق منطق الولاء والخوف.
هذا التحول لم يكن تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل أنتج تبدلات عميقة في الثقافة السياسية اللبنانية وفي بنية المجال العام. فحين تصبح “العمالة” توصيفًا سياسيًا وأخلاقيًا جاهزًا ومعلّبًا، يفقد المفهوم طابعه الاستثنائي، ويتحوّل من أداة حماية جماعية إلى وسيلة للهيمنة الرمزية والانضباط السياسي. ومن هنا تنبع المفارقة الأساسية: إن الإفراط في التخوين لم يؤدِّ إلى تعزيز الحساسية الوطنية تجاه العمالة، بل ساهم تدريجيًا في تفريغها من مضمونها، حتى باتت الكلمة نفسها فاقدة لقدرتها على الصدمة الأخلاقية التي كانت تملكها سابقًا.
وعليه، فإن تفريغ تهمة العمالة من مضمونها لا يُعد مجرد انحراف لغوي أو إعلامي، بل يمثل أزمة عميقة في الثقافة السياسية اللبنانية. فالمفاهيم التي تُستخدم بإفراط تفقد معناها، والقيم التي تتحول إلى أدوات صراع تفقد قدرتها على توحيد الجماعة. ومن هنا، فإن استعادة حساسية مفهوم العمالة لا يمكن أن تتم عبر المزيد من التخوين، بل عبر إعادة فصل الخيانة الفعلية عن الاختلاف السياسي، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة التي تحتكر تعريف الشرعية الوطنية خارج منطق الهيمنة الحزبية أو الأيديولوجية، خصوصًا إذا كان مطلقو تهم العمالة، مرتبطين أساسًا بمشاريع تتعدى المشروع الوطني، إلى مشاريع إقليمية وميتافيزيقيات تجعل البلاد رهينة خيارات لا مكان للبنان فيها.