ما لم تحققه النقيّفة حققته الدبلوماسية

ما لم تحققه النقيّفة حققته الدبلوماسية

عقودٌ من المواجهة بين حزب الله وإسرائيل لم تُفضِ إلى النتيجة التي حققتها الدبلوماسية اللبنانية بقيادة رئيس الجمهورية جوزاف عون. فمنذ العام 2023 وحتى اليوم، لم تستطع ما تُسمّى بـ”المقاومة” إجبار إسرائيل على الانسحاب، رغم أنها كانت، في الأصل، الذريعة التي منحتها مبرراً للاستمرار في احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية.

وإذا أعطينا الخيار العسكري فرصته، فإن الحصيلة كانت كارثية:

• 16,528 قتيلاً بين عامي 2023 و2026.

• 4,328 قتيلاً و12,230 جريحاً بين 2 آذار و20 تموز.

• تجاوز عدد النازحين، بين نيسان وأيار 2026، حاجز المليون نازح.

• تُقدَّر الخسائر الاقتصادية الإجمالية، المباشرة وغير المباشرة، الناتجة عن الحرب المستمرة منذ عام 2024 وحتى تموز 2026، بما يزيد على 25 إلى 26 مليار دولار أميركي.

قراءة هذه الأرقام المرعبة تكفي لإدراك حجم الكارثة التي خلّفتها الحرب، والتي لم تجلب للبنان سوى الدمار والخسائر، ولن تؤدي إلا إلى المزيد منها إذا لم يتم وضع حد لها، ففي حين تضرب إسرائيل بالصواريخ والطائرات المسيّرة، يصرّ حزب الله على خوض مواجهة بـ”النقيفة”، في حرب يفتقد فيها ميزان القوى إلى أي تكافؤ، فيما يبقى اللبنانيون وحدهم من يدفعون الثمن.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن استمرار هذه الحرب، وما يرافقها من قتل ودمار واعتداءات إسرائيلية متواصلة على لبنان، لن يتوقف ما دام حزب الله يرفض تسليم سلاحه للدولة.

فبالنسبة إلى الحزب، يبدو أن الإبقاء على السلاح يُقدَّم على مصلحة اللبنانيين، حتى ولو كان الثمن سقوط المزيد من الشبان والنساء والأطفال من بيئته الحاضنة، واستمرار النزوح، وتعطّل عودة الأهالي إلى قراهم ومنازلهم. ومهما ارتفعت الأصوات المطالبة بإنهاء هذا الواقع، فإن الحزب لن يتخذ قرار تسليم سلاحه بإرادته، لأنه لا يمتلك قرار الحرب والسلم بصورة مستقلة، بل يرتبط بالقيادة الإيرانية، رغم الخطاب والدروس الذي يرفعه حول السيادة.

من هنا، جاء هذا العهد برئاسة الجمهورية بقيادة جوزاف عون، وبحكومة يرأسها نواف سلام، واضعاً نصب عينيه هدف وقف الحرب. وأدركت السلطة الجديدة أن إنهاء هذه المواجهة لن يتحقق عبر الرهان على الميدان أو من خلال نبيه بري، بل عبر المسار الدبلوماسي.

وقد تمكن المفاوضون اللبنانيون من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وهو اتفاق رفضه حزب الله مراراً، فيما كان يقبل بأي اتفاق يصدر في إطار التفاهمات الإيرانية. كما نجح المفاوضون، خلال المحادثات، في انتزاع اعتراف إسرائيلي بالسيادة اللبنانية، والتأكيد على عدم وجود أطماع إسرائيلية في لبنان، إلى جانب التوصل إلى آلية للانسحاب الإسرائيلي التدريجي.

وبعد لقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أعلنت الوزارة بدء تنفيذ المرحلة التجريبية في قرى فرون وصريفا وزوطر الغربية، وفقاً للإطار الثلاثي وتحت رعاية مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان.

فعندما تستعيد الدولة قرارها وهيبتها، تصبح قادرة على ضبط الأوضاع، ومعالجة الأزمات، وفرض سيادتها على كامل أراضيها. أما عندما يكون القرار بيد حزب يرتبط قراره الاستراتيجي بإيران، فإن النتيجة تكون مزيداً من الدمار والخسائر.

والمشكلة أن حزب الله ونبيه بري حاولا ربط مصير لبنان بالمفاوضات المتعلقة بإسلام آباد، وسعيا لتلميع صورة إيران، وكأنها حريصة على أمن لبنان وشعبه، في حين أنها لا تؤمّن حتى الحياة الكريمة لشعبها، بل تلجأ إلى قمع معارضيها وإعدام بعضهم بسبب آرائهم.

إلا أن اتفاق التفاهم الذي أُبرم بين الولايات المتحدة وإيران سرعان ما انهار. ولو كان لبنان قد ربط مصيره بذلك المسار، لكان دفع ثمناً إضافياً نتيجة انهياره. وهذا يؤكد، في نظر كثيرين، صواب الرهان على الدبلوماسية اللبنانية، التي تسعى لوقف القتل، وتأمين عودة النازحين، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، في مقابل نهج حزب الله الذي يرى منتقدوه أنه يخوض مواجهة مع إسرائيل انطلاقاً من أولويات مرتبطة بإيران أكثر مما هي مرتبطة بالمصلحة الوطنية اللبنانية.

في النهاية، لا تُقاس الخيارات السياسية بالنوايا ولا بالشعارات، بل بحجم ما تحققه من نتائج. وإذا كانت الحرب قد خلّفت آلاف الضحايا، ومئات آلاف النازحين، وخسائر بمليارات الدولارات، فإن مسؤولية الدولة اليوم هي إنهاء هذا المسار، واستعادة قرارها السيادي، وحصر السلاح بيدها، لأن الدولة وحدها هي القادرة على حماية لبنان، وصون سيادته، وتحقيق مصلحة جميع اللبنانيين.