الحزن الأيلولي يطرق أبوابنا

الحزن الأيلولي يطرق أبوابنا

“أكره أيلول، لا لأنه يأتي، لأنه يعيدني إليّ”، قالتها صديقتي ليال وهي تحدّثني عن الأيام الأولى من هذا الشهر، ثم سكتت قليلاً قبل أن تضيف: “منذ أن بدأ أيلول، أشعر أن شيئاً انطفأ في داخلي. كأن حياتي توقفت، فيما كل شيء حولي يستعد ليبدأ من جديد”.


لم أجد ما أقوله لها. ربما لأن بعض الجمل لا تحتاج إلى إجابة، إنما إلى أن تجد من يصغي إليها حتى نهايتها. وربما لأنني كنت أعرف تماماً ما تقصده، ذلك الشعور الغامض الذي لا يصلح له اسم واحد، حين تستيقظ ذات صباح فتجد أن الحياة التي كانت محتملة بالأمس أصبحت ثقيلة من دون أن تكون قد تغيّرت فعلياً.


هكذا يأتي أيلول أحياناً. لا يحمل معه كارثة، ولا يطرق بابنا بخبر سيئ، لكنه يغيّر شيئاً في علاقتنا بالوقت. فجأة نشعر أن المساحة التي كانت تفصلنا عن التزاماتنا قد انكمشت، وأن الأيام التي كانت تبدو مفتوحة على الاحتمالات عادت إلى حدودها الضيقة. ينتهي الصيف، كفترة موقتة سمحنا لأنفسنا خلالها أن نكون أقل جدية مع الحياة، لا كفصل مناخي فحسب.


في الصيف، نتعامل مع الوقت كما لو أنه فائض عن حاجتنا. نؤجل الاستيقاظ، نمدد السهر، نترك بعض الرسائل من دون جواب، ونسمح لأنفسنا بأن نقضي يوماً كاملاً من دون إنتاج أو إنجاز كأن ما نعيشه هو الإنجاز. هناك شيء متسامح في الصيف؛ كأن العالم نفسه يمنحنا إذناً موقتاً بأن نهرب من أنفسنا.
ثم يأتي أيلول ويستردّ هذا الإذن.


تعود المدارس والجامعات، وتعود معها الحقائب والكتب والمواعيد والامتحانات. يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود الاجتماعات إلى الشاشات، وتعود المنبّهات إلى عملها اليومي في اقتحام النوم. تمتلئ الطرقات من جديد، ويستعيد الصباح صوته العالي. كل شيء يبدو طبيعياً، وربما لهذا تحديداً يصبح الشعور أكثر غرابة: لا شيء سيئ حدث، ومع ذلك نشعر بأن شيئاً ما قد حدث لنا.


إنه نوع من الحزن لا يحتاج إلى مأساة.
يكفي أن تنتهي مرحلة قصيرة أحببناها.


فنحن لا نحزن على الصيف لأن الشمس ستغيب أبكر أو لأن البحر سيصبح أبعد قليلاً. نحن نحزن على النسخة من أنفسنا التي ظهرت خلاله. تلك النسخة التي كانت تملك وقتاً، حتى لو كان وهمياً، والتي لم تكن مضطرة في كل صباح إلى تبرير وجودها بالعمل والإنجاز والركض خلف موعد آخر.
نحزن على شعور أن اليوم لنا.


وعلى الاعتقاد، ولو الموقت، بأن الغد ليس ملزماً بأن يشبه الأمس.
قالت لي ليال إنها بدأت تلاحظ نفسها أكثر منذ دخول أيلول. باتت أقل رغبة في الخروج، وأكثر ميلاً إلى البقاء وحدها. الأشياء التي كانت تنتظرها بحماس خلال الصيف فقدت شيئاً من بريقها. حتى العودة إلى العمل، التي كانت تبدو في السابق أمراً عادياً، أصبحت بالنسبة إليها مصدر ضيق لا تعرف كيف تشرحه.
ثم تنهدت وقالت: “المشكلة ليست بالعمل. المشكلة إنني أحسست فجأة أن كل شي سيعود كعادته سابقاً”.


ربما كانت هذه الجملة أكثر دقة من كلمة “اكتئاب” التي استخدمتها في البداية.
الخوف ليس دائماً من العمل نفسه، من العودة إلى النسخة القديمة من الحياة. إلى الدائرة التي نعرف بدايتها ونهايتها مسبقاً. إلى الأيام التي تشبه بعضها إلى درجة تجعلنا أحياناً نشك في أننا نعيشها أم نعيدها.
وهنا يصبح أيلول ثقيلاً على نحو خاص.


لأنه يضع الإنسان أمام حياته من دون المسافة التي يمنحها الصيف.
خلال الإجازة، نستطيع أن نؤجل التفكير. نستطيع أن نملأ الأيام بالخروج والسهر والسفر واللقاءات، وأن نترك الأسئلة الكبرى في مكان بعيد. لكن حين يعود الروتين، تعود الأسئلة معه. هل أنا سعيد فعلاً؟ هل أحب ما أفعله؟ هل أعيش الحياة التي أريدها أم الحياة التي اعتدت عليها؟ إلى متى سأبقى أؤجل ما أريده؟ وماذا فعلت بكل هذا الوقت الذي مرّ؟


لهذا يبدو أيلول أحياناً كأنه مرآة، مرآة حزننا…


لا يخبرنا بشيء جديد عن حياتنا، لكنه يجبرنا على النظر إليها.
وفي لبنان، لا يمكن فصل هذا الشعور عن الواقع الذي نعيشه. العودة إلى العمل أو الجامعة لا تعني ببساطة العودة إلى جدول مزدحم. إنها عودة إلى كلفة الحياة، إلى القلق المالي، إلى الطريق الذي يستهلك أعصابنا قبل أن يبدأ يومنا، إلى مستقبل مهني غير مضمون، وإلى بلد يجعل الإنسان يفكر كثيراً في الغد قبل أن يجد فرصة ليعيش اليوم.
وثمّة حزن “أيلولي” آخر، حزن الذين نحبهم حين يعودون إلى بلادهم. تغادر الحقائب، ويغادر معها أشخاص ملأوا الصيف بحضورهم، فنكتشف فجأة حجم الفراغ الذي تركوه. هم يعودون إلى أماكن يعيشون فيها، إلى ديارهم لكنها فعلياً لم تكن يوماً ديارهم، هي نمط حياة فرضته صعوبات الحياة عليهم، عملاً والتزامات ومدينة اعتادوا عليها. أما نحن، فنعود إلى أيامنا وفيها مقاعد فارغة وأحاديث مؤجلة وسهرات بنكهة مختلفة، ونتعلّم من جديد كيف يكون الغياب جزءاً من العلاقة، وكيف يمكن لشخص أن يكون موجوداً في العالم، وغائباً عن يومنا في الوقت نفسه.


حتى البدايات الجديدة تأتي أحياناً مثقلة بما يكفي من الحسابات.


الطالب لا يعود إلى جامعته وحيداً؛ يعود ومعه كلفة الأقساط والمواصلات والكتب، وربما سؤال أكثر قسوة: ماذا بعد التخرج؟ والموظف لا يعود إلى مكتبه فقط؛ يعود إلى راتب يحاول أن يجعله يكفي شهراً كاملاً، وإلى وظيفة قد لا تشبه طموحه، وإلى خوف دائم من أن يصبح الاستقرار نفسه رفاهية.
لذلك، حين ينتهي الصيف، لا نشعر فقط بأن الراحة انتهت.


نشعر بأننا عدنا إلى واقع لم نكن قد انتهينا من التعب منه أصلاً.


وربما لهذا السبب تتضاعف الكآبة في أيلول. لأننا لا نبدأ من نقطة الصفر. نحن نعود محمّلين بما تبقى من تعب الأشهر الماضية، وبأشياء لم تُحل، وقرارات مؤجلة، وأشخاص فقدناهم، وأحلام لم نقترب منها، ثم يُطلب منا أن نبدأ سنة جديدة بالحماس نفسه الذي يُفترض أن يصاحب البدايات.
لكن الإنسان ليس تقويماً.


لا يستطيع أن ينتقل من شهر إلى آخر بمجرد أن تتغير خانة التاريخ.
هناك أشياء في داخلنا لا تنتهي في 31 آب، ولا تبدأ في الأول من أيلول. بعض الأحزان تحتاج وقتاً أطول من موسم، وبعض الخيبات لا تعرف شيئاً عن المواعيد، وبعضنا يدخل الشهر الجديد وهو لا يزال يحاول أن يفهم ما حدث له في الشهر السابق.
لهذا ربما يجب أن نتوقف قليلاً عن مطالبة أنفسنا بأن نكون بخير لمجرد أن الحياة عادت إلى إيقاعها المعتاد.
ليس كل حزن مرضاً، وليس كل فتور اكتئاباً، لكن كل شعور يستحق أن يُسمع قبل أن نحاول إسكاتَه. أن تقول لشخص “أنا تعبان ومنهك” لا يعني بالضرورة أنه يريد حلاً. أحياناً يريد فقط أن يجد مكاناً لا يضطر فيه إلى الدفاع عن تعبه.


وأيلول، أكثر من أي شهر آخر، يجعلنا نحتاج إلى هذا المكان.
لأن الجميع يبدو مشغولاً بالعودة، فيما بعضنا يحتاج أولاً إلى أن يستوعب فكرة المغادرة.
أن يودّع صيفاً لم يكن مثالياً، لكنه كان أخف ثقلاً.


أن يودّع أشخاصاً سيعودون إلى انشغالاتهم.
أن يودّع ساعات طويلة كان فيها الوقت أقل قسوة.


وأن يعترف بأن انتهاء الأشياء، حتى الجميل منها، يترك فراغاً لا تملؤه بداية جديدة فوراً.
ربما لا ينبغي لنا أن نبحث عن البهجة بالطريقة نفسها التي عرفناها في الصيف. فالحياة لا تحافظ على شكل واحد من الفرح. ما كان يسعدنا في تموز وآب قد لا يكون قادراً على إنقاذنا في أيلول، وهذا ليس فشلاً.


ربما علينا فقط أن نترك لأنفسنا هامشاً صغيراً داخل هذا الروتين؛ أن نحتفظ بشيء من العفوية التي كنا نملكها، بشيء من الوقت الذي لا ننتج فيه شيئاً، بشيء من الحياة التي لا تُقاس بما أنجزناه خلالها.


عدتُ إلى كلام صديقتي أكثر من مرة، “أحسست كأن حياتي توقفت”.
ربما لم تتوقف حياتها فعلاً. ربما الذي توقف هو ذلك الجزء منها الذي كان قادراً على تجاهل ثقلها لبعض الوقت. وربما أيلول لم يصنع حزنها، كشفه فقط، بعدما كان الصيف يغطّيه بالضجيج والضوء والانشغال.


وهذه واحدة من أكثر قسوة أيلول أنه لا يمنحنا دائماً حزناً جديداً، يعيد إلينا ما نجحنا لبعض الوقت في نسيانه.
ومع ذلك، لا أريد أن أكتب عن أيلول كأنه شهر قاتم لا يأتي منه سوى الانطفاء. فالحياة، مهما أثقلتنا، لا تنتهي بانتهاء فصل. نحن فقط نحتاج إلى أن نتعلم كيف نحملها حين لا تكون خفيفة.


ربما تكون النضج الحقيقي في أن نعرف أن البهجة ليست حالة دائمة، وأن الإنسان لا يعيش طوال الوقت في ذروة شعوره بالحياة. هناك فترات ينخفت فيها الضوء، وتصبح الأيام أكثر عادية، ويقلّ الحماس، ونحتاج فيها إلى أن نبطئ بدل أن نعاقب أنفسنا لأننا لم نعد كما كنا.


أيلول ليس نهاية الفرح، إنه نهاية الوهم بأن علينا أن نكون فرحين دائماً.
وإذا كان لا بد لنا من العودة، فلنعد كما نحن، لا كما يفترض بنا أن نكون؛ متعبين حين يثقلنا التعب، مترددين حين لا نعرف الطريق، وبقلوب لا تزال، رغم كل شيء، تتشبث بما تبقّى فيها من حياة.


فبعضنا لا يحتاج إلى بداية جديدة، بقدر ما يحتاج إلى معنى جديد للاستمرار….
وقبل أن ننهي حديثنا، عادت صديقتي ليال إلى الجملة التي اختصرت بها كلُ شعور ما لم تستطع شرحه: “لا أكره أيلول، أكره ما يفعله بي”.