عبء العائلة ـ ذنب أمٍّ لا ينتهي

عبء العائلة ـ ذنب أمٍّ لا ينتهي

تطفئ ريما سيجارتها وعلى كتفيها هموم الدنيا كلّها، وتقول “ماذا يمكنني أن أفعل؟ هلأ تأخر الوقت”. تبدو أمامها السنوات المقبلة امتداداً لما سبقها، وكأن الراحة والفرح صارا ترفاً يصعب الوصول إليه بعد كل ما قدّمته لأولادها وزوجها. تحاول أن تخفي الحزن والعبء بابتسامة، لكن عينيها الممتلئتين بالتعب والخذلان تفضحان ثقل حياة امتدت على ثلاثين عاماً من الزواج وتربية الأولاد. سنوات تركت أثرها على عمرها وجسدها وصحتها النفسية، حتى صار السؤال عن حياتها الخاصة يأتي دائماً بعد حياة الآخرين.
فهل تنتهي تضحية الأم يوماً، أم تتحول مع الوقت إلى واجب مفتوح لا سقف له؟

تتكرر عبارة “الأم تلعب أحياناً دورها ودور الأب”، وغالباً ما ترتبط بسفر الزوج للعمل، أو الانفصال، أو ظروف تفرض على المرأة تحمّل مسؤولية الأسرة وحدها. لكن هذه المعادلة قد تنشأ أيضاً والزوج يعيش تحت السقف نفسه. يكون حاضراً في يوميات العائلة، فيما تقع التربية والرعاية والدعم العاطفي ومتابعة تفاصيل الأولاد على عاتق الأم، فتؤدي الدورين داخل زواج قائم.

في التحليل النفسي، يبدأ دور الأم منذ الحمل ويرتكز على الاحتواء والحضن، فيما يساهم دور الأب في تمرين الطفل على التفرّد والاستقلالية. وتدخل على هذه الأدوار في المجتمع اللبناني تصورات اجتماعية مسبقة تحدد وظيفة كل من الأب والأم داخل العائلة.

في هذا الإطار، تقول المعالجة النفسية باتريسيا ضاهر لـ”نقد”: “تُعرَف الأم بلعب دور الحضانة والاهتمام بالأمور التربوية، بينما ينحصر دور الأب بالأمور الإدارية للعائلة. وعندما تلعب الأم الدورين، يؤدي ذلك إلى الإرهاق الجسدي والنفسي، بالإضافة إلى خسارتها تدريجياً لمساحتها كزوجة وشريكة وحبيبة، ما قد يفاقم لديها الاكتئاب ويدفعها إلى الاستثمار أكثر في دور التربية. ويتأثر الأولاد بهذا النموذج، فيعتقدون أن التضحية المستمرة هي الطريقة للحصول على الحب، وقد يقلّدون لاحقاً هذا الدور غير المتوازن، فتنعكس الديناميكية عليهم وعلى الأم معاً”.

وتتابع ضاهر: “مع استمرار هذه الديناميكية، يسيطر الشعور بالذنب على الأم والأولاد. قد يشعر الأولاد بأنهم سبب عذاب والدتهم بسبب ما تقدّمه من تعب ومجهود وتضحية. أما الأم فتشعر دائماً بأنها وحيدة، وبأنها لن تكون جيدة بما فيه الكفاية ولن تستطيع ملء الفراغ بالكامل. ويرتبط الشعور بالذنب أيضاً بنموذج مثالي للأمومة، بحيث لا نهاية لما يمكن تقديمه من حماية واستثمار في الوقت والتعليم. وقد يدفعها هذا الإحساس إلى حماية أولادها في أوقات يحتاجون فيها إلى مساحة للاستقلال”.

من بيت العائلة إلى مسؤولية عائلة كاملة

تروي ياسمين، المتزوّجة منذ ثلاثين عاماً والأم لولدين: “تزوّجت في بداية العشرينات. كنت أعيش في منزل محافظ، تتدخّل عائلتي في معظم تفاصيل حياتي، من دراستي إلى عملي وخروجي من المنزل. عندما تعرّفت إلى زوجي، شعرت بأنني وجدت معه الأمان والمساحة التي كنت أبحث عنها. دخلت الزواج وأنا مقتنعة بأنني أبدأ حياة أختارها بنفسي، لكن بعد ولادة طفلنا الأول بدأت المسؤوليات تأخذ شكلاً مختلفاً”.

وتضيف: “صرت المسؤولة عن كل ما يتعلّق بالطفل، ثم تضاعف العبء مع ولادة الثاني. المدرسة والطبيب والطعام والملابس والسهر عند المرض ومشكلاتهما اليومية، كلها أصبحت مسؤوليتي. كان زوجي يذهب إلى عمله ويعود مساءً، فيما كان يومي يمتد من الصباح حتى نوم الأولاد. وعندما بدأت أعمل، أضيف العمل إلى اللائحة نفسها. كنت أعود إلى المنزل لأبدأ الجزء الثاني من يومي”.

أمّ وأب تحت سقف واحد

تتابع ياسمين: “مع الوقت، صار الأولاد يلجأون إليّ في كل شيء. أنا من يسمع مشكلاتهما، ويتابع دراستهما، ويعاقب عند الحاجة، ويتخذ القرارات، ثم يحاول حلّ الخلافات بينهما وبين والدهما. كان سريع الغضب وقليل الصبر معهما، فصرت أنا المساحة التي يشعران فيها بالأمان، وحلقة الوصل بينهما وبينه”.

وتردف: “أكثر ما كان يرهقني أنني أحمل مسؤولية الجميع في رأسي طوال الوقت. أعرف ما يحتاجه كل واحد، وما الذي يقلقه، وما ينقص البيت، وما يجب فعله غداً. حتى القرارات التي تخصّ الأولاد كنت أفكر فيها وأتخذها وأتحمّل نتائجها. بقيت التربية بالنسبة إلينا مهمة تقع على كتفي أولاً، ومع مرور الوقت صار هذا التقسيم جزءاً ثابتاً من حياتنا”.

ومع مرور السنوات، بدأت ياسمين تشعر بأنها تختفي خلف الأدوار التي تؤديها. تقول “كنت أماً طوال الوقت، وزوجة تحاول أن تحافظ على البيت، وموظفة تحاول أن تنجز عملها. تعوّدت أن أؤجّل نفسي، وكلما فكرت بأنني تعبت أو احتجت إلى وقت خاص بي، كان يأتيني الشعور بالذنب. كنت مقتنعة أن الأم الجيدة تتحمّل أكثر، وأن التضحية جزء طبيعي من الأمومة”.

ثلاثون عاماً من تحمّل المسؤولية

راودت ياسمين فكرة الطلاق في مراحل مختلفة من حياتها، لكن اعتمادها المادي على زوجها ونظرة عائلتها إلى الطلاق وخوفها على ولديها جعلت القرار ثقيلاً.
تقول: “كنت أفكر كيف سأبدأ من جديد وأين سأذهب وكيف سأؤمّن حياة أولادي، فأعود وأؤجل القرار. مرّت السنوات وأنا أقول لنفسي إن المرحلة المقبلة ستكون أسهل”.

وتختم: “اليوم، عندما أنظر إلى السنوات الماضية، أعرف أنني كنت أحتاج إلى شريك في التربية منذ اليوم الأول. لو عاد بي الوقت، كنت سأتمسّك بعملي واستقلالي المادي، وأضع مسؤولية الأولاد على كتفينا معاً. أحب أولادي، لكن الأمومة أخذت مني مساحة أكبر بكثير مما توقعت، وفي مكان ما خلال هذه السنوات، نسيت أن لي حياة واسماً ورغبات خارج كلمة أم”.

ذكورية ورجعية وإنهاك جسدي

تتشابه تجربة خلود مع تجربة ياسمين في تحمّل العبء، وتضيف إليها سنوات طويلة من الإعالة. خلود، الأم لخمس فتيات، تروي بحزن تجربتها على مدى خمسة وعشرين عاماً من الزواج، “بقي يحاول إنجاب ولد يحمل اسمه وإرثه حتى انتهى بي الأمر مع خمس فتيات. كأن تلك العقلية وطريقة التفكير إرث يجب أن يستمر حتى ينقله إلى ابنه الذكر”.

وتتابع: “لطالما شعرت بالاستسلام في كل مرة كنت أعود فيها من العمل إلى المنزل لأرى زوجي ما زال نائماً في فراشه، وكأنه يعرف أن مسؤوليات المنزل لا تعنيه. كان يقول متفاخراً إنه رجل شرقي، ويرى أن الأمور المنزلية وتربية البنات تقع على عاتقي. كنت صغيرة في العمر وأجد له المبررات، وأقول إنه تربّى في عائلة كان فيها الرجل الوحيد بين ثلاث شقيقات. كان مدللاً، وولد بعد محاولات حمل عدة انتهى معظمها بالإجهاض، فنشأ وسط اهتمام كبير من العائلة”.

وتضيف: “مع مرور السنوات، ومع رؤيتي تجارب نساء أخريات وحالات تشبه حالتي، بدأت أنظر إلى حياتي بطريقة مختلفة. وصلت إلى مرحلة لم أعد أملك فيها القدرة على حمل كل هذه المسؤوليات بمفردي. وفي كل مرة كنت ألجأ فيها إلى أهلي، كان يصلني الجواب نفسه، يجب أن تصبري، والتفكير بالطلاق ممنوع بسبب بناتك الخمس وحكي الناس. أبي لا يقبل أن تعود ابنته إلى منزله مطلّقة. هم يهتمون بما سيقوله الأقارب والأصدقاء، فيما جسدي وصحتي النفسية يدفعان ثمن هذه السنوات”.

وتستعيد خلود أثر الحمل والإنجاب والضغط المستمر عليها قائلة: “أنا التي حملت وأنجبت خمس مرات، وأنا التي عشت الاكتئاب والقلق واضطررت إلى تناول الأدوية، ثم كنت أعود كل يوم إلى المسؤوليات نفسها. كنت أشعر أن المطلوب مني أن أتحمّل لأنني الأم، وأن أكمل لأن لدي خمس فتيات يحتجن إليّ”.

وتختم خلود: “إهمال زوجي لي رافقه شعوري بأن أهلي أيضاً لا يكترثون لما أمرّ به ولا لصحتي الجسدية والنفسية. أعيل زوجي العاطل عن العمل منذ نحو تسعة عشر عاماً، ثم أعود لأهتم بالمنزل وببناتي. غالباً ما أشعر بأنني غير موجودة أو غير مرئية، وكأن قيمتي مرتبطة بما أقدّمه للجميع. الأفكار الانتحارية ترافقني منذ سنوات، وفي كل مرة تأتيني تلك الأفكار، أنظر إلى صورة فتياتي على شاشة هاتفي وأقول لن أذهب وأترككن، فأنا مستمرة بسببكن. أريد أن أبقى إلى جانبهن وأطمئن عليهن، وأتأكد من أنهن سيخترن لأنفسهن حياة مختلفة عن حياتي”.

عن تحكّم اللاوعي في أدوار الأهل

تختم المعالجة النفسية ضاهر حديثها “هناك أيضاً أمهات يتعمّدن تحييد دور الأب لتعزيز هذه الديناميكية، لأن لعب الدورين معاً قد يمنحهن شعوراً بالأمان. ولا يمكن دراسة الأدوار داخل عائلة أو مجموعة من دون العودة إلى الرضى الذي يحصل عليه كل فرد من خلال لعب دور معيّن، وإلى مساهمة كل دور في تعديل بقية الأدوار. لكل عائلة ديناميكية خاصة بها، تحمل في طياتها موروثات غير واعية لدى الأب والأم مرتبطة بالأدوار التي عاشها كل منهما داخل عائلته”.

بهذا المعنى، قد يبدأ العبء بتفصيل صغير يبدو عادياً، أم تعرف أكثر عن المدرسة، أم تتولى الطبيب، أم يلجأ إليها الأولاد أولاً، ثم تتراكم التفاصيل حتى تصبح هي المرجع والمسؤولة وصاحبة القرار ومصدر الأمان في آن واحد. ومع السنوات، تتحوّل التضحية من فعل تختاره إلى دور تعيش داخله، فيما يرافقها شعور دائم بأن في إمكانها أن تعطي أكثر.

وحين تؤدي الأم دور الأب والأم معاً، فيما الأب حاضر تحت السقف نفسه، يصبح السؤال أكبر من توزيع الأعمال المنزلية.
إنه سؤال عن امرأة تحمل عائلة كاملة، وعن المساحة التي تبقى لها من حياتها بعدما أمضت سنوات وهي تؤجّل نفسها إلى الغد.