11 Oct 2026
Like this post
تفتح حسابك عبر انستغرام، تجد صديقك في الحي ينشر صورًا حول شخصية مشهورة، أنت متأكد مليون في المئة أنه لا يحبها، لكنه يتبع الترند، وقريبك من العائلة ينشر صورة مرتديًا ملابسًا ظهرت موضة فجأة لكنها لا تناسب شكله ولا مظهره لا من قريب أو بعيد لكنه يحاول مواكبة الواقع الافتراضي، وهذا ينشر البوستات صباحًا ومساءً في الحديث عن هذا وذاك، وإن تحدثت معه في نقاش واقعي حول موضوع هادف تجده لا يكمل الخمس دقائق كحد أقصى وينسحب.
السوشيل ميديا أظهرت الجانب الخفي من شخصياتنا، أو بمعنى أصح جعلت لنا هوية رقمية أمام الهوية الواقعية، لكن كيف يعيش الفرد هذه الحياة المتناقضة؟
الهوية الرقمية مقابل الهوية الواقعية
من الجيد أن يكون لك هوية رقمية، معارف من كل دولة، صبغة خاصة بك تميزك عن غيرك في هذا العالم الوهمي، هذا كان الهدف الأساسي المعلن، هو التواصل اللا محدود عبر العالم من خلال بياناتك التي نشرتها عن نفسك للجميع، لكن مع مرور السنوات، وتغيّر الخواريزميات، أصبح لابد أن تعيش حياتك داخلها وفق قوانينها، وهذه هي الكارثة بحد ذاتها.
كنت في الماضي، تقضي يومك بالخارج مع الأصدقاء والأحباب، وفي العمل، وفي العلاقات الاجتماعية الفعالة، وكنت تختلس ساعة أو ساعتين نهاية اليوم عبر فيس بوك أو “ياهو ماسنجر” أو المنتديات، للتسلية والترفيه عن نفسك، فأنت قضيت يومًا متعبًا طويلًا.
أما الآن، فأنت تقريبًا تقضي اليوم كله مع الأصدقاء والأحباب أيضًا لكن عبر المنصات الرقمية، وتختلس ساعة ساعتين نهاية اليوم في الواقع حتى يشحن هاتفك من جديد، لتعود لما كنت عليه وتستكمل حياتك بهويتك الرقمية.
الوجود التكنولوجي نعمة كبيرة، وتوافر الهوية الرقمية هي من مميزاته التي فتحت الأبواب للموهوبين وأصحاب الأقلام الرزينة، وللتوسع في الأعمال والتجارة، وحتى للشهرة التي كان سابقًا لا بد من دفع الملايين للحصول عليها.
لكن أن تكون كما يقال أسيرًا للترند لتغذية هويتك، فأنت هنا تهدم ما تبقى من حياتك الواقعية ليس أكثر، ولا تقنع نفسك أن هذا توازن؛ إذ يدمن عقلك إفراز الدوبامين الرخيص كلما استغرقت في هذا العالم. أنت لم تعد مثل الماضي، لم تعد تستمتع بالجلوس في شرفة منزلك مع فنجان صغير من القهوة أو قراءة بضع صفحات من كتابٍ ما، وأصبحت التمشية مساءً متعبة لك، وأصبح مجرد السلام على الأهل في المنزل مجهود متعب أو مهمة تضغط عليك.
لكنك عبر السوشيل ميديا ملك التريندات، لا تفوت حدثًا محليًا أو عالميًا إلا وتتحدث عنه، مع العلم أنك لست متخصصًا في ذلك، لكن الترند يحكم، وإن فوتت حدثًا فستُجلد من المتابعين الذين يُعتبرون رأس مالك، لكن من قرارة نفسك تعرف أنك لست هذا الشخص ولم تكن هو قبل ظهور كل هذا العبث.
قبل جلد الذات حول ما إذا أغلقت حساباتك نهائيًا فإنه لن يتذكرك أحد، فدعنا نتحدث جديًا حول هويتنا الواقعية. نحن نعيش النقيضين في الوقت نفسه، نقوم بتصوير الصورة في المطعم من أجل أن يكون حسابنا عبر انستغرام منفجرًا بالتعليقات الجميلة، ونحن في الأساس لم نستمتع بالطعام أو الشخص الذي كنا معه.
نكون في مكان رومانسي جميل، نلتقط مليون صورة من زوايا مختلفة ونحن مبتسمون ضاحكين، ثم تنتهي الطلعة فورًا بعد آخر صورة كأننا كنا في جلسة تصويرية فقط ليس لها طعم.
تقوم بحضور معرض الكتاب فقط لكي تشتري الكتاب الذي يتحدثون عنه لكن بعدها، تقوم العنكبوت بنسج خيوطها عليه هي وأولادها، حتى معرض الكتاب السنة المقبلة، لأنك لم تفتح أي صفحة من صفحاته بعد.
ليس عيبًا أن تبني هويتك الرقمية، لكن أن تكون هي هويتك الحقيقية الأساسية فهذه هي الخيبة بحد ذاتها، أن تجري وراء الهوس، التعليقات، أنت تنسى نفسك، ومن أنت، وما هي كينونتك! وحياتك الأساسية خارج نطاق الشاشة، فأنت هنا أصبحت مسخ من مسوخ هذا العالم، ولن تتحرر منه إلا بعد كارثة إن لم تنقذ نفسك.
العالم الرقمي جميل، لكن إن كان في حدوده، في استخدامه الأساسي، سواء للعمل أو الدراسة أو لتقضية بعض المتعة، لكن ليس لكي تعيش فيه حياتك وتقضي فيه الوقت، وتعيش التناقض الحقيقي وتدمر شخصيتك لكي تحصل على بعض اللايكات والتعليقات التي لا تغني من جوع.
سؤالي الأخير لك، متى آخر مرة اتصلت بجدك أو جدتك أو الجيل القديم من الأعمام واطمأننت عليهم؟ هذا الجيل الذي لا يزال حتى اللحظة يعيش حياته الواقعية قبل ظهور هذا الوباء الرقمي.