8 Aug 2026
Like this post
كل بيت لبناني يحمل في زاوية ما حكاية حرب.
حكاية قديمة، لكنها لا تشيخ. قد لا تكون عن شخص مات، أو بيت تهدّم، أو عائلة اقتُلعت من مكانها، فقد تكون عن أمّ كانت تجمع أطفالها في غرفة واحدة كلما اشتدّ القصف، أو عن أبٍ لا يزال، بعد سنوات طويلة، يرفع رأسه تلقائياً عند سماع صوت مفاجئ، كأن جسده حفظ ما عجز عقله عن نسيانه، أو عن جدّة كانت تخبّئ الخبز، لأنها عاشت زمناً لم يكن فيه الغد مضموناً، أو عن رجلٍ قضى ليلة كاملة ينتظر عودة ابنه ولا يعرف إن كان سيعود. وربما تكون مجرد صورة قديمة تُفتح بالصدفة، فتُفتح معها غرفة كاملة من الذاكرة، ويبدأ أحدهم في سرد تفاصيل زمن لم نعشه نحن، لكننا حفظناه كما لو كنا هناك.
نحن جيل تربّى على حكايات الحرب قبل أن يعرف معنى الحرب. كنا أطفالاً نجلس بالقرب من الكبار وهم يستعيدون تفاصيل سنوات لم تنتهِ فعلاً في داخلهم، حتى لو انتهت في التقويم. لم نكن نفهم لماذا يصمت أحدهم فجأة عند ذكر منطقة، أو لماذا يتغيّر صوت الأم عندما تتحدث عن ليلة بعينها، أو لماذا يستطيع الأب أن يتذكر بعد عقود أين كان وماذا سمع في لحظة لم تغادره. لم نفهم كل شيء، لكننا فهمنا ما هو أهم: أن الحرب ليست صفحة في كتاب التاريخ، بل شيء يمكن أن يدخل البيت من دون استئذان، وأن الحياة التي تبدو طبيعية اليوم قد لا تبقى كذلك غداً.
وهكذا، قبل أن نعرف الحرب، عرفنا الخوف منها.
لم نحتج إلى أن نعيش القصف كي نعرف كيف يخاف منه الإنسان، ولا إلى أن نهرب من بيوتنا كي نفهم معنى الرحيل. كانت تجارب أهلنا تصل إلينا ناقصة، لكنها كانت تصل محمّلة بشيء أثقل من التفاصيل… كانت تصل محمّلة بالخوف.
وربما هنا تكمن واحدة من أكثر الحقائق وجعاً في الذاكرة اللبنانية. نحن لم نرث الحرب بوصفها تاريخاً فقط، ولم نرثها كجزء من ثقافة هذا البلد، بل ورثناها كإحساس يسكن في الجسد، وكطريقة في النظر إلى العالم، وكحذر دائم من أن يتحول العادي إلى استثنائي في لحظة، وأن ينقلب اليوم الذي بدأ طبيعياً إلى يوم لا يشبه أي يوم سبقه.
الخوف لا ينتقل دائماً من خلال الكلام. أحياناً من خلال نظرة الأم حين تسمع خبراً عاجلاً، من صمت الأب وهو يتابع الأخبار، من ذلك السؤال الذي قد يبدو عادياً في بلد آخر، لكنه في لبنان يحمل تاريخاً كاملاً من القلق: “وينك؟”، “وصلت؟”، “طمني عنك”.
هذه الكلمات الصغيرة تحمل في داخلها خوفاً أكبر من معناها المباشر. فنحن لا نطمئن فقط عن أن من نحب وصل إلى وجهته، بل نطمئن عن أنه وصل قبل أن يحدث شيء. لأننا نعرف، في مكان عميق من وعينا، أن الطريق نفسه قد يتغير، وأن ما كان آمناً قبل ساعة قد يصبح مصدر قلق بعدها، وأن خبراً واحداً قد يعيد إلى الذاكرة كل ما حاولنا أن ننساه.
لهذا، نحن لا نعيش في لبنان الخوف من الحرب فقط، إنما الخوف من إمكانية حدوثها ومن الغد. والخوف من الاحتمال قد يكون أثقل من الخوف من الخطر نفسه. فالخطر الواضح يمكن مواجهته، أما الاحتمال فلا شكل له ولا موعد. يعيش في المستقبل، لكنه يحتل الحاضر كله.
يكفي حدث أمني، أو توتر سياسي، أو تصريح، أو خبر عاجل، حتى يبدأ العقل في البحث عن الإجابة التي لا يملكها أحد: هل هذه بداية شيء أكبر؟
هنا يصبح الخوف مبنياً على التوقع والتكهنات، وعلى ما سمعناه من أهلنا، وعلى ما رأيناه في تاريخ بلدنا. نحن لا نخاف فقط مما يحدث، بل مما قد يحدث. نقرأ الخبر الحالي بعين الماضي، وننظر إلى الحاضر ونحن نتذكر كيف بدأت الأمور في مرات سابقة. ولذلك، قد يكون الحدث صغيراً، لكن الخوف الذي يستيقظ معه كبير، لأنه لا يأتي وحده؛ تأتي معه ذاكرة عائلات كاملة، وتجارب أجيال، وصور لحروب لم نعشها، لكننا نشعر أننا نعرفها.
وهذا ما يجعل الخوف اللبناني بلا شكل محدد. ليس هناك دائماً خطر واضح نستطيع أن نشير إليه ونقول: “هذا ما أخاف منه”. أحياناً يكون مجرد شعور بأن شيئاً سيئاً قد يحدث. أن الهدوء لن يدوم. أن الاستقرار مؤقت. أن علينا أن نبقى مستعدين.
ومع الوقت، يتحول هذا الشعور إلى طريقة حياة. نتعلم أن نراقب الهدوء بدل أن نعيش فيه، وأن نشك في الاستقرار بدل أن نثق به، وأن نترك دائماً في خططنا مساحة لاحتمال أن يتغير كل شيء. في بلد عاش الحروب والأزمات والانهيارات، يصبح توقع الأسوأ وسيلة دفاع نفسية؛ كأن الإنسان يقول لنفسه إن توقّع الكارثة سيجعله أقل صدمة إذا وقعت. لكنه، في المقابل، يدفع ثمناً آخر: أن يعيش حاضراً لا يشعر فيه بالأمان الكامل، حتى عندما لا يكون هناك خطر أمامه.
لكن لم يتركنا لبنان طويلًا مع وهم أن الحرب أصبحت جزءاً من الماضي. توالت الأزمات والتوترات والحروب، وعاد الخوف بأشكال مختلفة، حتى أصبح الجيل الذي ورث الخوف من أهله يحمل ذاكرته الخاصة أيضاً. أصبح جزءاً من تجربتنا نحن. لم نعد فقط جيلاً سمع من أهله عن الحرب؛ أصبحنا جيلاً عاش من جديد معنى القلق، وعدم الاستقرار، ومراقبة الأخبار، والخوف من أن يتسع التصعيد ويصل إلى أماكن جديدة، ومن أن يتغير كل شيء في لحظة.
وفجأة، وجدنا أنفسنا في المكان الذي كان فيه أهلنا يوماً. نحن الذين كنا نسمع قصصهم، أصبحنا نملك قصصاً جديدة نرويها. ونحن الذين كنا نراقب خوفهم، أصبح هناك من يراقب خوفنا.
وهنا تبدأ الحلقة الأكثر قسوة، لأن أبناءنا قد لا يرثون منا الحرب كحدث فقط، قد يرثون مشاعرها، الطريقة التي تعلّمنا بها الخوف منها.
قد لا يفهم الابن معنى الخبر العاجل، لكنه يفهم أن وجه أمه تغيّر. قد لا يعرف ماذا يعني التصعيد، لكنه يعرف أن والده صار يفتح هاتفه أكثر من مرة، وأن سؤال “وينك؟” لم يعد سؤالاً عابراً. هكذا يتعلم الخطر قبل أن يعرف اسمه، ويتعلم انتظار الأسوأ من طريقة الكبار في النظر إلى العالم. وقد يكبرون وهم يحملون الخوف نفسه الذي حملناه… الخوف من عودة الحرب في أي لحظة، وبسبب أي حدث، حتى لو لم يعيشوا الحرب بأنفسهم.
وهنا تصبح المأساة أكبر من الحرب نفسها. لأن الحرب، حين تقع، يكون لها صوت ومكان وزمن. أما الخوف منها، فيمكن أن يعيش سنوات طويلة من دون أن نعرف كيف نضع له نهاية. يمكن أن يكبر مع الإنسان، وأن يدخل معه إلى حياته كلها، وأن يتحول من خوف على الحاضر إلى خوف من المستقبل.
نحن ورثنا من أهلنا قصص الحرب، لكننا ورثنا معها انتظارها أيضاً. ثم عشنا نحن خوفنا الخاص، وها نحن نخشى أن نورّث أبناءنا الانتظار نفسه.
أن يكبروا وهم لا يعرفون الحرب فقط من كتب التاريخ، بل من عيوننا.
أن يتعلموا أن يسألوا “كيف الوضع؟” قبل أن يسألوا “شو بدنا نعمل؟”.
أن يتعلموا كيف ينجون قبل أن يتعلموا كيف يعيشون.
ربما لا نستطيع أن نعد أبناءنا بأن الحرب لن تعود، ولا نستطيع أن نمحو من ذاكرتهم تاريخ بلدهم. لكن يمكننا أن نحاول ألا نورّثهم خوفنا كما ورثناه نحن. أن نروي لهم ما حدث، من دون أن نجعلهم يعيشون في انتظار تكراره. أن نعطيهم الذاكرة، لكن لا نعطيهم الرعب.
لأن من حقهم أن يعرفوا تاريخ لبنان، لكن من حقهم أيضاً ألا يكونوا أسرى له.
ومن حقهم أن يسمعوا عن الحرب، لا أن يكبروا وهم ينتظرونها.
فالحرب لا تنتهي دائمًا حين يصمت صوتها. أحيانًا تبقى في جسد ينتفض من صوت مفاجئ، وفي عقلٍ لا يطمئن بسهولة، وفي ذاكرة تتعلم من خوف الماضي أن العالم مكان لا يمكن الوثوق به.
وربما لهذا، فإن معركتنا ليست فقط ألّا تعود الحرب، ألّا يبقى الخوف منها إرثاً ينتقل من جيل إلى آخر.
لأننا إذا لم نكسر هذه السلسلة، فقد نورّث أبناءنا شيئاً أثقل من تاريخ الحرب نفسه: سنورّثهم انتظارها.