19 Sep 2026
Like this post
ثمة شيء مغرٍ في آلة تخاطبك كما لو أنها تعمل لديك. تطلب منها نصًا فتكتبه، وتردّه إليها فتعدّله، ثم تنتقل معها إلى فكرة لم تكن تعرف كيف تبدأها. تمنحك هذه العلاقة شعورًا مفهومًا بالقوة: ها أنت تنجز ما كان يتعذر عليك، وتتقدم في عمل كان يحتاج إلى وقت أطول أو مساعدة لا تستطيع تحمل كلفتها. غير أن سهولة إصدار الأوامر قد تخفي سؤالًا أقل راحة: هل أصبحت تملك قدرة أكبر على صنع مستقبلك، أم أصبحت تستخدم قدرة يملك شروطها شخص آخر؟
لا أطرح السؤال اعتراضًا على الذكاء الاصطناعي. أنا أبني به، وأرى في اتساع ما يستطيع الفرد فعله سببًا للأمل، لا مناسبة جديدة للحنين إلى عالم كانت الفرص فيه أضيق. لكنني لا أريد أن أخلط بين فرصة حقيقية ونتيجة مضمونة. قد يتيح لنا البرنامج أن نبدأ مشروعًا؛ أما الشركة التي تستمر، والمعرفة التي تتراكم، والقدرة على اختيار الطريق حين تتغير الظروف، فليست خدمات تُضاف تلقائيًا إلى الاشتراك.
حين تتحول القدرة إلى فعل
ولعل أكثر أخبار هذا الأسبوع كشفًا لهذه المسافة جاء من برنامج لإدارة الطابعات. ففي تحقيق نشرته “بلاك بوينت سايبر” في التاسع من أيلول، ظهرت حملة على خوادم “بيبركت” استعانت بالذكاء الاصطناعي في البحث وتطوير الأدوات ومعالجة الإخفاقات. ضمّت قوائمها أكثر من خمسمئة هدف محتمل، لا خمسمئة ضحية مؤكدة. وما لفت الباحثين كان انخفاض الجهد البشري اللازم لتنظيم هجوم متواصل، أكثر مما كان ابتكار وسيلة اختراق جديدة.
هنا يصبح الاحتفاء بالكفاءة أقل براءة. فنحن نريد تقليل المسافة بين الفكرة والتنفيذ، لكن هذه المسافة لا تقصر أمام صاحب الفكرة النافعة وحده. وحين نحتفل بقدرة شخص على إنجاز عمل فريق، ينبغي أن نتذكر أن الفريق الذي صار غير ضروري ربما كان فريقًا لم نكن نريد لذلك الشخص أن يمتلكه أصلًا. لا تجعل هذه المفارقة التقدم خطأ؛ إنها تجعل السؤال عن الغاية والضبط جزءًا من معنى التقدم، لا حاشية أخلاقية نلحقها به بعد وقوع الضرر.
وفي تقريرها الصادر هذا الشهر، وصفت أنثروبيك عمليات تولّت فيها النماذج التنفيذ أو التنسيق، فيما اختار البشر الأهداف وراجعوا المواد المسروقة. اختارت الشركة حالات لافتة رصدتها بين كانون الأول 2025 وآب 2026، لا عينة تمثل إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي عمومًا. لكنها تكفي لإظهار ما يتغير حين ننتقل من محاورة برنامج إلى منحه دورًا في سلسلة أفعال تمس الآخرين.
لنتخيّل الفرق داخل شركة صغيرة. يستطيع موظف أن يقرأ رسالة اقترحها مساعد ذكي، ويصحّح خطأ فيها قبل إرسالها. لكن ماذا لو صار المساعد يعدّل الطلب، ويغيّر سجل المخزون، ويرسل إلى الزبون وعدًا بالتسليم؟ عندئذ لا يعود الخطأ جملة ركيكة على الشاشة. قد يصبح بضاعة وُعد بها زبونان، أو مالًا دُفع مرتين، أو موظفًا يحاول شرح قرار لم يتخذه. في هذا المثال، لا تكمن قيمة النظام في سرعة حركته وحدها، بل في قدرة الشركة على فهم تلك الحركة وإيقافها وتصحيح آثارها.
ما الذي نشتريه فعلًا؟
من هذه الزاوية، تصبح صفقات الاستثمار أكثر إثارة مما توحي به أرقامها. جمعت ميسترال الفرنسية ثلاثة مليارات يورو في الثامن من أيلول. وفي اليوم التالي أعلنت سامسونغ شراكة لتطوير نماذج مخصصة تعمل داخل بنيتها الخاصة بصناعة أشباه الموصلات، وتساعد في اكتشاف العيوب وتحسين المعدات، مع إبقاء البيانات التشغيلية الحساسة داخل منشآتها. هذه أهداف معلنة، وليست مكاسب تحققت لمجرد توقيع الاتفاق.
ما يستحق التأمل هو نوع العلاقة المقصودة. تريد الشركة أن تصبح أفضل في العمل الذي تعرفه، من دون أن تتنازل عن السيطرة على المعرفة التي تجعلها مختلفة. لذلك لا يمكن فصل السؤال التقني عن السؤال التجاري: ما الذي سيتحسن فعلًا، ولمن ستعود قيمة هذا التحسن؟ قد تنجح المؤسسة في شراء أداة قوية، ثم تستخدمها كما يستخدمها منافسوها تمامًا. امتلاك الأداة نفسها لا يفسر لماذا سيختارها الزبون هي دون سواها.
وفي الخدمات القانونية، أعلنت “هارفي” في التاسع من أيلول جمع 550 مليون دولار عند تقييم بلغ 15.5 مليار دولار، وربطت التمويل بطموح مساعدة الفرق القانونية على بناء ذكائها المؤسسي وامتلاكه. كلمة “امتلاك” هنا أهم من أن تمرّ كزينة في بيان استثماري. الاختبار، في تقديري، هو ما إذا كان المكتب يصبح أقدر على استخدام خبرته وحماية مواده وإنجاز عمله، بعد احتساب الوقت الذي يستغرقه تدقيق النتائج. أما أن ينتج مستندات أكثر، فذلك لا يثبت وحده أنه أصبح مؤسسة أفضل.
ما وراء مراكز البيانات
وتتسع المسألة حين ننتقل إلى الخليج، حيث سبقت الطموحات الحاسوبية أخبار هذا الأسبوع. ففي أيار 2025، أعلنت إنفيديا و”هيومين” السعودية خططًا لمرافق تصل قدرتها إلى خمسمئة ميغاواط خلال خمس سنوات. وفي الشهر نفسه، أعلنت أوبن إيه آي مشروع “ستارغيت الإمارات”، بما فيه مجمّع مخطط له بقدرة غيغاواط واحد في أبو ظبي، مع “جي 42” وشركاء آخرين. تصف هذه الإعلانات ما كان مقررًا بناؤه، ولا يصح تقديمها دليلًا على أن كامل القدرة يعمل اليوم.
سيكون من السهل السخرية من المباني والأرقام، ومن الخطأ أيضًا. فالبنية التحتية قد تكون أصلًا اقتصاديًا مهمًا، ومن دون قدرة حاسوبية لا معنى لكثير من الطموحات التي نناقشها. لكن ملكية المكان لا تجيب وحدها عن أسئلة المعرفة والمنتج والسوق. يمكن أن يصبح بلد ما موقعًا مهمًا لتشغيل التقنية، بينما تبقى قدرته على تغييرها أو بناء أعمال مستقلة عليها أضعف مما توحي به ضخامة المنشآت. ليست المشكلة في بناء المراكز؛ المشكلة في اعتبار افتتاحها خاتمة القصة.
وقد التقط بحث لأكسنتشر، أُعلن في الثاني من أيلول وشمل 185 مؤسسة في السعودية والإمارات وقطر، شيئًا من هذا التفاوت. وصف ستون في المئة من المشاركين نهج بلادهم تجاه سيادة الذكاء الاصطناعي بأنه شديد السيادة، بينما رأى اثنان وستون في المئة أن الحلول المحلية تتأخر عن عروض مزودي الخدمات السحابية العالميين. هذه تقديرات المشاركين، لا نتيجة اختبار تقني مستقل. لكنها تضع الثقة بالمشروع الوطني إلى جانب الشك في القدرة المتاحة للمؤسسة.
لا تستلزم معالجة ذلك أن يصنع كل بلد شرائحه، أو أن يكتب كل مؤسس نموذجًا خاصًا به. الاستقلال الذي يجعل التعاون مستحيلًا قد يصبح اسمًا فاخرًا للعجز. ما يهمني أكثر هو هامش الاختيار: أن تستطيع الاحتفاظ بمعرفتك، وتغيير المورّد حين يصبح الاعتماد عليه مؤذيًا، وأن تملك داخل المؤسسة من يفهم ما يحصل بما يكفي للتفاوض، لا لتكرار ما ورد في العرض التجاري.
أن نبني شيئًا يخصّنا
بالنسبة إلى من يحاول بناء شركة من لبنان، يحمل هذا الكلام معنى شخصيًا. لا أرى سببًا لأن نصغّر طموحنا لأننا لا نملك ميزانية مختبر عالمي. وفي المقابل، لا أرى أن وضع شعار جديد فوق خدمة متاحة للآخرين يجعلنا تلقائيًا أصحاب صناعة. الفرصة التي تستحق الجهد تبدأ من معرفة عمل ما: أين يتعطل، وما الذي يخسره الناس بسبب تعطله، ولماذا لم تنجح الحلول المتاحة في إصلاحه. هناك يمكن أن تظهر شركة لها سبب للبقاء، لا مجرد منتج ينتظر الخبر التقني التالي كي يفقد مبرره.
لنفترض أن مؤسسًا بنى خدمة تساعد موزعًا على مطابقة الطلبات مع البضائع التي خرجت فعلًا من المستودع. ما الذي سيبقى لديه حين يتغير النموذج الذي يستخدمه؟ إن لم يبقَ سوى مجموعة تعليمات يمكن نسخها، فسيكون ما بناه هشًا. أما إذا راكم فهمًا للعمل، وبرنامجًا يمكن نقله وتطويره، وطريقة لاختبار الأخطاء، وعلاقة مع زبون يلمس الفائدة، فقد بدأ تكوين شيء يخصه. وهذه بداية لا تعفيه من البيع والمنافسة أو من إثبات أن الخدمة تستحق ثمنها.
لا أجد في ذلك دعوة إلى طموح أصغر. على العكس، الطموح الذي يتجاوز عمر العرض التجريبي يحتاج إلى هذا النوع من الأسئلة. من يريد بناء شركة كبيرة عليه أن يهتم بما سيجعلها تستحق أن تكبر: عمل نافع يتكرر، ومعرفة تتحسن، وثقة لا تتوقف عند إعجاب الناس بالمشهد الأول. سيكون من المحزن أن تمنحنا أدوات أقوى قدرةً أكبر على تقليد بعضنا، ثم نسمّي كثرة النسخ نهضة.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يرافقنا ونحن نعمل مع هذه الآلات هو: ماذا سيبقى من هذا العمل بعد سنة، وبعد أن نستبدل النموذج الحالي؟ أرجو أن تبقى خبرة لا تضيع مع إغلاق المحادثة، ومؤسسة لا تفقد قدرتها على العمل عند تغيير البرنامج، ومنفعة يعرفها الناس من حياتهم لا من وصفنا لها. عندئذ يكون الذكاء الاصطناعي قد ساعدنا على امتلاك شيء من مستقبلنا، بدل الاكتفاء بتسريع مرورنا في مستقبل يصممه الآخرون.
ليس في استئجار آلة ما يدعو إلى الخجل، ولا في الاستعانة بعقول الآخرين ما ينتقص من الطموح. ما يستحق القلق هو أن نقضي سنوات نبني فوقها، ثم نكتشف أن كل ما نملكه هو كلمة المرور. المستقبل لا يُشترى باشتراك؛ الاشتراك يتيح لنا أن نبدأ العمل عليه.