ليست المشكلة بالزواج إنها الحرب

ليست المشكلة بالزواج إنها الحرب

سمعنا سابقًا جملة تقول أن الأخبار السيئة دائمًا ما تؤثر على النفسية والمزاج، خصوصًا إن كان الفرد في عش الزوجية وعليه من الأحمال والهموم ما عليه، لكن ما تخيلنا يومًا أن نكون في قلب الأخبار المحزنة والصادمة، إنها الحرب، التي أصبحت مثل شرب القهوة في الصباح، لابد منها ضمن أحداث اليوم وإلا لشعرنا أن هناك خطب ما، هل أعلنوا السلام في هذا العالم؟ إنها بالتأكيد نكتة!.
هنا أنقل معاناة الأزواج النفسية في زمن الحروب من قلب الحدث، وفق تفاصيل توضحها معالجة نفسية تعاملت مع الكثير من الأزواج، ولعلنا هنا نقف وقفة لنعرف الآثار السلبية التي أصبحت واقعًا مريرًا يوميًا.

معاناة الأزواج النفسية في زمن الحرب

في نقاش مع المعالجة النفسية بشرى مسعي، قالت باختصار شديد إن الحرب تركت بصمة لا تنسى في حياة الأزواج.
وروت:
“لستُ أنا السبب… إنها الحرب…”؛ كانت هذه الجملة خلاصة ما توصّلنا إليه بعد جلسات المتابعة النفسية مع أحد الأزواج الذين عايشوا ظروف حرب قاسية. تمكّنت العائلة من اللجوء إلى إحدى الدول، لكن المعاناة لم تنتهِ بمغادرة منطقة الخطر، بل بدأت تحديات جديدة في علاقة الحالة بزوجته…

بدأت الصورة تتضح تدريجيًا. بعد الجلسات النفسية، تبيّن أن التغيّرات النفسية والسلوكية مرتبطة، إلى حدّ كبير، بآثار الصدمة النفسية واضطراب ما بعد الصدمة، وهذا ما تؤكده أدبيات علم النفس والصدمات النفسية. فآثار الحرب تبقى حاضرة في الدماغ، ويتحوّل الخوف إلى نمط من أنماط الحياة. وتستمر حالة الترقّب، إذ تتأثر المناطق المسؤولة عن تنظيم الانفعالات في الدماغ بفعل هول الحدث، وكأن الخطر لا يزال قريبًا، فيبقى الشخص متأهبًا لكل صوت وحركة ومثير من حوله.

“كان عالقًا في دوامة من الانفعالات التي لم يستطع دماغه التعامل معها أو فهم مصدرها. أصبح سريع الانفعال، شديد الحساسية للأصوات، يعاني من الهلع أثناء النوم، وانطفأ شغفه بالكثير من الأشياء. عاش خوفًا شديدًا لم يعرف مصدره، وانسحب تدريجيًا من دوره كزوج وأب، وأصبح يقضي وقتًا طويلًا خارج المنزل أو منعزلًا داخله. دوامة لم يعرف كيف يعبّر عنها، حتى إن أصوات أطفاله لم يعد قادرًا على تحمّلها”…

زوجته هي الأخرى تحمل مخاوفها وقلقها وآثار ما عاشته أثناء القصف. كانت بحاجة إلى زوجها ومساندته، لكنها لم تكن تفهم ما يمر به وهو أيضاً… لم يكن قادرًا على فهم ما يحدث داخله، فبدأت الفجوة بينهما بالاتساع …

كانت ترى الصمت والانسحاب وتغيّر السلوك، فتشعر أنه يبتعد عنها أو لم يعد يهتم بها بينما كان هو يعيش معاناة داخلية شديدة، لكنه لم يكن يعرف كيف يعبّر عنها.
لم يكن الوصول إلى ما يشعر به سهلًا، كان الحديث عن مشاعره صعبًا، خصوصًا أن التعبير عن الألم والمشاعر قد يكون تحديًا حتى في الظروف العادية، فكيف عندما تكون المشاعر مرتبطة بالخوف والفقد والحرب؟

مع الوقت، وبوجود مساحة آمنة خالية من الحكم، بدأ يتحدث، يفضفض عن خوفه، وعن الأصوات التي تعيده إلى لحظات الحرب، وعن غضبه الذي لم يكن يفهمه، وعن شعوره بأنه تغيّر ولم يعد الشخص الذي كان عليه قبل الحرب.

بشكل ما ساعدته الجلسات على فهم أن ما يحدث معه ليس ضعفًا، ولا قسوة، ولا تعمدًا لإيذاء زوجته وأطفاله أو الانسحاب من حياتهم كان بحاجة إلى أن يفهم ماذا حدث لدماغه وجهازه النفسي بعد كل ما عاشه بدأ يفهم نفسه، أصبح أكثر قدرة على فهم زوجته.
وأصبحت قادرة على رؤية ما وراء صمته وانفعاله، بدل أن تفسر كل تغير في سلوكه على أنه موجه ضدها.

شيئًا فشيئًا، بدأ الحوار يعود بينهما، وبدأت المسافة التي صنعتها الصدمة تضيق.
عند معايشة حرب أو أزمة أمنية، تذكّروا أن آثار التجربة قد لا تظهر كلها أثناء الخطر، وقد تستمر حتى بعد الوصول إلى مكان آمن. وليس كل تغيّرٍ إهمالًا؛ ففي كثير من الأحيان، يكون الطرف الآخر في معركة داخلية لا يستطيع وصفها.

لا ينبغي انتظار تراكم المشاعر حتى تتحول إلى صراعات زوجية أو معاناة نفسية أشد. وطلب المساعدة النفسية ليس رفاهية، ولا يعني ضعفًا أو عجزًا، بل قد يكون خطوة مهمة لفهم ما حدث، وتفريغ المشاعر في مساحة آمنة، والتعامل مع آثار الصدمة بطريقة صحية.

فقد تمر الحرب على المكان، لكنها تترك آثارها في الدماغ والمشاعر والعلاقات.
وحين نفهم ذلك، نبدأ بالتعامل مع الألم.

إلى الأزواج والعائلات الذين يعيشون الحرب والأزمات تذكروا أن آثار التجربة قد لا تظهر كلها أثناء الخطر، وقد تستمر حتى بعد الوصول إلى مكان آمن.
ليس كل تغير يعني إهمال أو تعمد للأذى، أحيانًا لا تنتظروا تراكم المشاعر وتحولها إلى صراعات زوجية أو معاناة نفسية أشد.
طلب المساعدة النفسية لا يعني ضعفاً ولا عجزاً بل خطوة مهمة لفهم ما حدث، وتفريغ المشاعر في مساحة آمنة، والتعامل مع آثار الصدمة بطريقة صحية.

فقد لا يكون هو السبب ولا هي،
إنها الحرب…