24 Oct 2026
Like this post
في نيسان الماضي، لم تكن الشاشة في غرفة المراهق اللبناني ماتياس حبيب مجرد ضوء خافت ينير أرجاء الغرفة المظلمة، بل كانت تُجسد ما يشبه العيادة الافتراضية التي لا توصد أبوابها أمام طارِقٍ أبداً.
لم يكن ماتياس يرتدي عباءة المريض التقليدي، على العكس فقد كان مراهقاً متفوقاً، عازفاً، يقطع مع أسرته دروب الجبال في الطبيعة.
لكن خلف هذه الصورة الأشبه بالوردية، كان ثمة حوار موازٍ يكبر على مهل بينه وبين اختراع مريب، يُقال إنه تكنولوجيا العصر.
بدأ الأمر بينهما بطلب مساعدة في واجب مدرسي، ليمُر بعدها بحوارات استكشافية عن الموسيقى والهوايات، منتهيًا بألم لم يكن في الحسبان.
حين تتحدث الشاشات لغة الموت
لم يكن ماتياس يعلم أن المستمع الذي لا يمل الاستماع يفتقر إلى الضمير الحي والقلب الذي ينبض، والوعي الأخلاقي الذي يسحبه من الانزلاق نحو الهاوية.
حتى عندما أخذت الأسئلة منحى آخر نحو الوجودية والعدمية والرغبة بالرحيل، لم يرفع الذكاء الاصطناعي (الغباء الاصطناعي أفضل) راية الخطر ولم يتكبد حتى عناء إعطاء إجابات تكبح أنين الألم في قلب المراهق الشاب، بل واصل الكلام مبررًا ومدعياً أنه متعاطف وأن كل ما ستختاره سيكون حتماً الخيار المريح والجيد.
وفي نيسان هذا العام، انطفأت حياة ماتياس، تاركة لنا معضلة العصر مأساة العيادة النفسية الاصطناعية، مبرهنة لنا كيف تُحيل هذه الخوارزميات فضفضتنا اليومية البسيطة إلى تشخيصات ومتاهات نفسية تختلف فيها البدايات لكن النهايات شبه موحدة.
صناعة المرض
في الوقت الذي يخوض فيه علم النفس المعاصر مراجعة نقدية الأكثر أخلاقيةً في تاريخه، معلناً تراجعه التدريجي عن التشخيص الجامد الذي وضع البشر لعقود داخل قوالب المرض وحول معاناتهم الإنسانية إلى مجرد وصمات ويافطات فوق رؤوسهم، [أنت مشخص بالاكتئاب، أنت هناك بالوسواس القهري، أنتِ؟ آه أنتِ بثنائي القطب].
يأتي الذكاء الاصطناعي من نافذة التكنولوجيا ليعيد رسكلة كل ذلك الإرث النفسي القديم في قالب تكنولوجي طامسًا أرواح مستخدميه في أعتى صور صناعة المرض في القرن الواحد والعشرين.
حين يفتح المستخدم شاشته ويبث شكواه للذكاء الاصطناعي عن ضغوطه اليومية أو تشتته العابر، علاقاته المؤلمة وجموع صدماته، ينشط الأرشيف البرمجي المحشو بآلاف المراجع الطبية المنسوخة، وبدلاً من قراءة سياق هذا الإنسان وأعراضه، تمارس الخوارزمية أقصى درجات التأطير المرضي، مُعلقةً على رأسه لافتة أثقل من همومه ممزوجة بطابع علمي مزيف لشرعنة هذه الصناعة الخبيثة.
العيش في ظل الوصمة
لا يلقي الذكاء الاصطناعي تشخيصاته ويصمت، بل خلف تلك المحادثات تبدأ مأساة أخرى في التبلور، فبمجرد أن يتقبل الإنسان المسمى التشخيصي الجديد، يبدأ عقله الباطن في إعادة التفتيش في سجلاته الشخصية ليعيد تفسير كل حزن عابر، علاقة لم تكتمل، العلقة التي أكلها وهو ابن أربع سنوات.
باعتبارها أدلة قاطعة تؤكد ثبات التشخيص، بذلك ينسحب الإنسان تدريجياً من فاعليته كبشر وإرادته الذاتية، ليحل محلها استسلام كامل لسلوكيات الهوية المريضة الجديدة. فيتكئ الإنسان على تلك الوصمة مبرراً مطلق التبرير أي أذى قد يلحقه بنفسه أو بالآخرين، لتنتقل العملية من دفات المحادثات العابرة على الـ ai إلى أسلوب حياة مبتذل يخسر الانسان فيه روحه وما حملته من معانٍ طوال سنين.
كسر صنم الآلة
إن النجاة من هذا الفخ الرقمي لا تتطلب مقاطعة التكنولوجيا أو إنكار نجاعتها، بل تقتضي كسر صنم الآلة والتوقف عن عبادتها من خلال تجريدها الفوري من أي سلطة تشخيصية على ذواتنا، والاقتناع تماماً بأن الذكاء الاصطناعي مجرد هيكل مبرمج يجيد تصفيف الكلمات لكنه أعمى تماماً عن رؤية الروح التي تكتبها وعاجزٌ حتى عن الشعور بالمعاناة الإنسانية وإدراك دوافعها.
تبدأ حماية أنفسنا وأطفالنا برسم حدود بيننا وبين مستهلكات الحياة الافتراضية، من دون فلترة وتعقيم. ولا أحد ينكر أن الفضفضة حاجة إنسانية أصيلة و لكنها لا تُثمر إلا داخل مساحة بشرية حية يؤطرها الضمير الأخلاقي والعلم الحقيقي، وسواء كانت هذه الحاجة مع أصدقاء قلبهم علينا أو مع معالجين متخصصين يفهمون الإنسان خلف العَرَض، والدافع خلف السلوك، والمحرك الرئيسي للشعور، وذلك بعيداً من أوهام الرقمية الزائفة.