16 Oct 2026
Like this post
في مفارقة تختصر كثيرًا من التناقضات التي تحيط بشعارات “محور المقاومة”، يجد الحوثيون أنفسهم أمام أسئلة سياسية وأخلاقية صعبة: كيف يمكن لمن يرفع شعار نصرة فلسطين واستهداف إسرائيل أن يبرّر توسيع دائرة المواجهة لتشمل مطارات ومنشآت مدنية في دولة عربية مجاورة؟
لسنوات، لم يتوقف الخطاب الحوثي عن ترديد شعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”، حتى بات هذا الشعار جزءً أساسيًا من الهوية السياسية والإعلامية للجماعة. لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أنّه عندما وصلت المواجهة إلى إطلاق الصواريخ، برز سؤال الاتجاه والهدف: كيف يحفظ الشعار طريقه إلى الميكروفون، فيما يبدو أنّ الصاروخ قد ضلّ طريقه إلى الهدف المعلن؟
يا سبحان الله، سنوات من الوعيد والحديث عن القدس وتحرير فلسطين، ثم تصبح السعودية ومطاراتها في قلب المشهد! أكانت البوصلة تشير فعلًا إلى إسرائيل، أم أنّ للشعارات اتجاهًا وللصواريخ اتجاهًا آخر؟
“الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”… لكن حين ينطلق الصاروخ، يبدو أنّ نظام الملاحة لديه حسابات أخرى!
من الشعارات إلى الوقائع: ماذا حدث؟
إنّ النقاش هنا ليس مجرّد سجال حول الشعارات، بل يتعلّق بتداعيات العمليات العسكرية على أمن المنطقة وسلامة المدنيين. فاستهداف المطارات والمنشآت الحيوية يثير مخاوف جدية، ليس فقط بسبب الأضرار المحتملة، بل أيضًا بسبب ما يمكن أن يسبّبه من اضطراب في حركة الطيران والسفر وتعريض المسافرين والعاملين للخطر.
وفي ظل التصعيد الإقليمي، تتبادل الأطراف الاتهامات بشأن المسؤولية عن الهجمات وأهدافها. ولذلك، من الضروري التمييز بين الوقائع التي تؤكدها التقارير المستقلة، والتصريحات العسكرية الصادرة عن أطراف النزاع، وعدم التعامل مع كل إعلان عسكري على أنّه حقيقة مكتملة الأركان.
لكن، بعيدًا من الروايات المتنافسة، يبقى السؤال السياسي مشروعًا: إذا كانت البوصلة فعلًا نحو القدس، فكيف تُفسَّر العمليات التي توسّع دائرة المواجهة لتشمل دولًا عربية ومنشآت مدنية؟ وهل يكفي إعلان النوايا لتبرير الوسائل والنتائج؟
فلسطين ليست غطاءً مفتوحًا
لطالما قدّم الحوثيون أنفسهم باعتبارهم جزءً من محور إقليمي يرفع شعار مواجهة إسرائيل ونصرة الفلسطينيين. لكن هذا الخطاب لا يعفيهم من المساءلة السياسية والأخلاقية عن عملياتهم العسكرية، ولا يمنحهم تفويضًا مفتوحًا لتهديد حياة المسافرين والعاملين في المطارات، أيًّا كانت جنسياتهم.
فالمطار المدني ليس ثكنة عسكرية بالضرورة، والمسافر الذي ينتظر رحلته ليس طرفًا في الصراع لمجرد وجوده على أرض سعودية. وبين هؤلاء المدنيين عمال وموظفون وعائلات وأشخاص من جنسيات عربية وأجنبية، لا علاقة لهم بقرارات الحرب ولا بخرائط النفوذ الإقليمي.
وإذا كانت الجماعة تقول إنّ عملياتها تأتي ردًّا على تطورات الحرب والتصعيد الإقليمي، فهذا لا يلغي حق الناس في طرح السؤال: كيف تُقاس جدّية الشعارات، حين تكون الأهداف المعلنة في جهة، وتكون الدول العربية والمنشآت المدنية في جهة أخرى؟
حين تصبح الشعارات موضع مساءلة
إنّ نقد هذه الممارسات ليس دفاعًا عن طرف على حساب آخر، ولا تبرئةً لأي جهة من مسؤولياتها. إنه دفاع عن مبدأ واضح: لا يجوز استخدام فلسطين غطاءً سياسيًا لتجاوز الأسئلة المتعلقة بسلامة المدنيين، ولا يجوز لأي جماعة أن تحتكر الحديث باسم الأمة بينما ترفض إخضاع أفعالها للنقد والمساءلة.
فالقضية ليست في عدد المرّات التي يُردَّد فيها شعار “الموت لإسرائيل”، بل في مدى اتساق الأفعال مع الشعارات، وفي الثمن الذي يدفعه المدنيون عندما تتسع دائرة المواجهة.
والأخطر أنّ تحويل المطارات والمنشآت الحيوية إلى ساحات مواجهة يوسّع دائرة الحرب، ويهدد حركة السفر والتجارة والاستقرار الإقليمي، ويضع شعوب المنطقة أمام كلفة جديدة لصراعات لا تملك قرار إشعالها أو إيقافها.
إنّ القضايا العادلة لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بعدد الصواريخ، بل بمدى احترام حياة الإنسان وحقوقه. ولا يمكن لشعار سياسي، مهما بلغت شعبيته لدى أنصاره، أن يكون بديلًا عن المساءلة بشأن نتائج الأفعال على الأرض.
لمن تُرفع الشعارات
ومن يدفع الثمن؟
فلسطين ليست شعارًا يُستدعى عند الحاجة، والمقاومة ليست حصانة أخلاقية تمنع المحاسبة. ومن يرفع راية الدفاع عن المظلومين مطالب بأن يجيب عن سؤال بسيط: هل تخدم أفعاله القضية التي يعلن الدفاع عنها، أم توسّع دائرة الألم والعداء بين شعوب المنطقة؟
في النهاية، لا تُقاس مصداقية الشعارات بما تقوله البيانات العسكرية، بل بما تتركه الأفعال على الأرض. وحين يصبح المدنيون هم من يدفع الثمن، فمن حق الناس أن يسألوا، وأن ينتقدوا، وأن يرفضوا تحويل قضاياهم العادلة إلى مبرر دائم للحروب.
فمن القدس إلى الرياض، يبقى السؤال واحدًا: هل ضلّت الصواريخ طريقها، أم أنّ البوصلة التي رُفعت باسم فلسطين تحتاج إلى مراجعة.