25 Oct 2026
Like this post
“تنازلي عن حق ابنتك” و”بدك تتقوي الحياة رح تدعكك”، وما من جمل تتردد في أذني مرارًا وتكرارًا ومصادرها من أشخاص مقرّبين اتسمّوا المعرفة بإرشادات جاهلة أساسها عقيدة خاطئة متجذرة في التربية العائلية. ما أجهلنا مجتمع عربي نربّي المرأة منذ صغرها على الاكتفاء بالقليل. ما أجهلنا مجتمع عربي نغرس سلوكيات مزيّفة عن القوة في ذهن الفتاة غافلين التداعيات النفسية الناجمة على مستقبلها.
أكتب هذا المقال من تجربة شخصية، من بيئة زرعت في ذهن المرأة أنه يجب ألّا تتكل على أحد وأنه لتكون قوية وتحقق مُرادها يجب أن تكون مستقلة وألّا تقبل الدعم النفسي ومساعدة الآخرين .جئت من بيئة اعتقدت أيضاً أن الخضوع للأوامر والتعرض للانتقادات اللاذعة هما اللذان يجعلان منها ما يسمّونها بالقوة .
“المرأة نصف المجتمع”…الشرقي
لا، ليست المرأة القوية التي تتنازل عن حقوق أولادها. لا، ليست المرأة القوية التي تهيم بأجنحة الاستقلالية فترفض النجدة كلّما تطلّب الأمر. أيها المجتمع العربي، ربّيت بناتك على القبول بالموجود. ربّيت زوجتك على الخضوع للأوامر. ربّيت زميلتك في العمل على الإرهاق النفسي والوظيفي. ربّيت صديقتك على إضاعة الوقت في النميمة بدلًا من الاستثمار بالوقت. المرأة نصف المجتمع الشرقي العربي تحديدًا لكن المبادئ المضرّة التي نمت في شخصيتها أتعبتها وأهلكت نفسها.
الضغوط العائلية هي العامل الأبرز في تشكيل صورة “المرأة العربية القوية”. في هذا الإطار،أكدت الشابة ريتا سيف، طالبة ماجيستر في الصحافة والإعلام، أنها أصبحت هي المسؤولة عن إدارة المنزل بعد وفاة والدتها علمًا أنها تعمل في الوقت نفسه كمدققة أخبار ومعلمة للدروس الخصوصية. وترى سيف نفسها مرأة قوية، مشيرة الى أنها “ليست بحاجة الى شريك حياة ليدعمها”، مضيفة “أستطيع أن أنفّذ كلّ شيء بنفسي”. وتابعت: “أبي يحمّلني مسؤولية الأعباء المالية كلها، لكن في حال عدم قدرتي على دفع الحاجات الثانوية لا أسمح لذلك الأمر بأن يؤثر على صحتي النفسية”، مؤكدة أنها تهتم بتوفير الحاجات الأساسية فقط. في المقابل، تقول الشابة ماريتا الهبر، تلميذة في الصف الثاني الثانوي، أنها الفرد الوحيد بين إخوتها الذي يكمل دراسته في ظل التوترات العائلية التي تعيشها. وشددت على أن عائلتها تمارس الضغط النفسي عليها لإكمال مسار التّعلم في الفرع العلمي، مضيفة: “أحاول تخطي هذا الواقع بالاستماع الى الموسيقى كي لا أسمح للانتقادات بأن تقلقني وتوتّرني”.
علم النفس وكينونة القوة
يعرّف علم النفس “كن قويًا” كآلية لا شعورية ينمّيها المجتمع الأصغر (العائلة) في ذهن الطفل من خلال تربيته على جمل معيّنة مثل: “عليك أن تكون قويًا”،”لا تبكِ فالبكاء ضعف”، فتصبح سلوكياته وطريقة تفكيره موّجهة نحو فكرة واحدة وهي أنه من المعيب إظهار مواقف الضعف أو طلب النجدة من أحد. وفي السنوات الأخيرة، أظهرت دراسة حديثة أجرتها منظمة الولايات المتحدة لشؤون المرأة أن النساء العربيات يترددن في التعبير عن احتياجاتهن وطلب المساعدة ويلجأن الى إعادة بناء شعور بالاستقرار. في المقابل، كشفت دراسة علمية أخرى أن النزاعات الخارجية تؤدي بشكل كبير إلى رفع مستويات الاكتئاب خصوصًا لدى الشابات ويتبين ذلك في فقدان الأمل لمقاومة البقاء. وبحسب الدراسة، تزداد الأعراض الجسدية مع الشعور بالوحدة في محاربة الأزمات فتتجسد في آلام الظهر ومشكلات في جودة النوم.
إذًا، القوة الحقيقية تكمن في حماية المرأة لنفسها من خلال “رسم خط” لكل ما يزعجها ويسلب طاقتها ووقتها. القوة رادع لكل ما يؤخر النمو الشخصي. سواء في تجاهل الآراء السلبية أو العلاج النفسي عبر الفن، تبرز أهمية مسافة الأمان التي نضعها بين عالمنا الداخلي والواقع من خلال ذلك الخط الوهمي الذي تقرر المرأة رسمه. من عائلة الى أصدقاء وزملاء عمل، أظهرت تجارب الحياة أن بعد رسم خط الأمان بين المجرّد والملموس، تتضاءل الآثار السلبية للروابط الاجتماعية السامة.