لو يفهم اللبناني الدبلوماسية قبل الحكم عليها

لو يفهم اللبناني الدبلوماسية قبل الحكم عليها

لم يعد لدى الدبلوماسيين متّسع لالتقاط أنفاسهم. ففي كل يوم، يستيقظ العالم على أزمة جديدة، أو مفاوضات جديدة، أو تحالف جديد، أو نزاع جديد يتطلّب استجابة فورية. سواء تعلّق الأمر بوقف إطلاق نار، أو اتفاق تجاري، أو مساعدات إنسانية، أو أمن الحدود، أو الاستقرار الإقليمي، تظلّ الدبلوماسية حاضرة في صياغة القرارات التي تؤثر في حياة ملايين البشر. ومع ذلك، وعلى الرغم من أننا نعيش في زمن أصبحت فيه الدبلوماسية أكثر أهمية من أي وقت مضى، فإنها لا تزال من أكثر المهن إساءةً للفهم.

وبصفتنا مواطنين لبنانيين، نعيش مرحلة تؤثر فيها الدبلوماسية مباشرة في مستقبلنا. فلبنان يقف في قلب تطورات إقليمية، وتحديات اقتصادية، وهواجس أمنية، وشراكات دولية متشابكة. وكل بيان يصدر عن دولة، وكل زيارة رسمية، وكل وساطة، وكل جولة تفاوض، قد تنعكس على استقرار البلاد ومستقبلها. لذلك، من السهل أن نحكم على أي تحرّك دبلوماسي من خلال نتائجه فقط. لكن قبل أن نسأل إن كانت المفاوضات قد نجحت أو فشلت، ربما علينا أن نطرح سؤالًا أبسط: ما هي الدبلوماسية أصلًا؟ وما الذي يسعى الدبلوماسي لتحقيقه؟

إن فهم الدبلوماسية لا يعني الموافقة على كل قرار سياسي، بل يعني فهم المسار قبل إصدار الحكم على النتيجة. فالمجتمع الواعي، أكثر قدرة على تقييم القرارات بموضوعية، لا بعاطفة، خصوصًا في أوقات الأزمات وعدم اليقين. ولهذا أؤمن بأن كل مواطن لبناني يحتاج إلى معرفة أساسية بالدبلوماسية، ليس ليصبح دبلوماسيًا، بل ليفهم العالم من حوله بصورة أفضل.
في جوهرها، تُعدّ الدبلوماسية العملية التي تتواصل من خلالها الدول وغيرها من الجهات الدولية الشرعية، وتتبادل المعلومات، وتمثّل مصالحها، وتتفاوض سعيًا لتحقيق السلام والاستقرار والتعاون والأهداف الوطنية. ولا تقتصر هذه الجهات على الرؤساء أو الوزراء، بل تشمل الحكومات، والمنظمات الدولية، والممثلين السياسيين، والمرجعيات الدينية، وسائر القيادات المعترف بها رسميًا، والتي تعبّر عن مصالح دولة أو مجتمع أو حركة. فلكل من هذه الأطراف منظور مختلف يساهم في تكوين صورة أشمل أمام صانعي القرار. وعندما يُستبعد طرف أساسي من الحوار، تصبح الدبلوماسية أقل تمثيلًا، وقد تتأثر جودة القرارات التي تُتخذ.
وغالبًا ما تُختزل الدبلوماسية في التفاوض، بينما لا يشكّل التفاوض سوى جزء من عملية أوسع بكثير. فقبل أن يجلس طرفان إلى طاولة المفاوضات، عليهما أولًا أن يتواصلا، ويتبادلا المعلومات، ويفهما بعضهما البعض، ويحددا أولوياتهما، وما يمكن التفاوض عليه وما لا يمكن المساس به. ولهذا يقضي الدبلوماسي المحترف وقتًا أطول في الاستماع والتحليل مما يقضيه في الكلام، لأن الدبلوماسية الناجحة تبدأ بالفهم قبل الإقناع.

ومن أولى مسؤوليات الدبلوماسي أن يفهم بصورة كاملة مصالح الجهة التي يمثلها. فلكل دولة أو منظمة أو مجتمع أولويات استراتيجية، وقيم ثقافية، وتجارب تاريخية، وما يُعرف في أدبيات التفاوض بـ”الخطوط الحمراء”، أي المواقف التي لا يمكن التنازل عنها. لكن فهم موقفك ليس سوى نصف المهمة. أما النصف الآخر، فلا يقل أهمية، ويتمثل في فهم مصالح الطرف الآخر، وهواجسه، وتاريخه، وثقافته. فالدبلوماسي ليس مضطرًا إلى الاتفاق مع وجهة النظر المقابلة حتى يفهمها، بل إن فهم الرأي المخالف هو ما يجعل الحوار الحقيقي ممكنًا.

وهنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت الدبلوماسية تقوم على التواصل، فلماذا تُعقد معظم المفاوضات خلف الأبواب المغلقة؟

يكمن الجواب في التمييز بين الشفافية والسرية الاستراتيجية. فالشفافية ضرورية للحفاظ على ثقة الرأي العام والمساءلة الديمقراطية، لكن الدبلوماسية تحتاج أيضًا إلى نقاشات سرية تتيح للمفاوضين استكشاف الخيارات، واختبار الأفكار، وتقديم التنازلات بعيدًا من الضغوط الخارجية. فليس كل نقاش قابلًا لأن يجري أمام الكاميرات، وليس كل مقترح ينبغي أن يصبح علنيًا قبل اكتمال المفاوضات. وغالبًا ما تُنشر المعلومات في توقيت مدروس، وبطريقة تخدم أهدافًا دبلوماسية أوسع. وهذا لا يعني بالضرورة إخفاء الحقائق لأسباب سلبية، بل يعكس حقيقة أن الدبلوماسية تحتاج في كثير من الأحيان إلى قدر من السرية كي تنجح.

ومن أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا الاعتقاد بأن الدبلوماسية تقوم على هزيمة الطرف الآخر أو الخروج من المفاوضات منتصرًا. لكن الواقع أن الدبلوماسية نادرًا ما تكون لعبة محصلتها صفر. فالهدف ليس أن يخسر الطرف الآخر، بل أن تحمي مصالحك، مع إيجاد الحد الأدنى من القواسم المشتركة الذي يسمح بالتقدم. وأحيانًا يبدو تحقيق هدف صغير أمرًا متواضعًا على المدى القصير، لكنه قد يفتح الباب أمام مكاسب أكبر في المستقبل. لذلك لا تُقاس الدبلوماسية بالانتصارات السريعة، بل بالعلاقات طويلة الأمد والاستقرار الذي تساعد على بنائه.

ولعلّ هذا ما يجعل الثقة أساس الدبلوماسية. فقد تُوقَّع الاتفاقات، وتُعقد الاجتماعات، وتستمر المفاوضات، لكن من دون ثقة يصبح كل اقتراح موضع شك، وكل التزام عرضة للتشكيك. والثقة لا تعني الشفافية المطلقة، ولا تلغي الخلافات، بل تمنح الأطراف اطمئنانًا إلى أن التواصل لا يزال قائمًا، وأن الحوار سيستمر حتى في أوقات النزاع. والدبلوماسي الناجح هو من يعرف كيف يبني هذه الثقة عبر الاتساق، والمهنية، والاحترام، والمصداقية.

ولا تُبنى الثقة عبر الدبلوماسية الرسمية وحدها، بل أيضًا عبر الدبلوماسية غير الرسمية. فالأولى تتمثل في الاجتماعات الرسمية، والمفاوضات، والمؤتمرات، والمنظمات الدولية، بينما تنشأ الثانية من العلاقات الشخصية، والتبادل الثقافي، واللقاءات التي تجري خارج الأطر الرسمية. وغالبًا ما تكون هذه العلاقات غير الرسمية هي الأساس الذي تُبنى عليه الاتفاقات الرسمية، لأن الناس يكونون أكثر استعدادًا للتعاون مع من يعرفونهم، ويفهمونهم، ويحترمونهم.

كما تغيّرت الدبلوماسية نفسها بصورة جذرية خلال العقدين الماضيين. فقد أحدثت العولمة ووسائل الاتصال الرقمية تحولًا عميقًا في طبيعة المهنة. فالأخبار تنتشر اليوم خلال ثوانٍ عبر التلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي، والأقمار الصناعية، وصحافة المواطن. ويتشكل الرأي العام في الوقت الحقيقي، وتخضع الأحداث الدولية لتدقيق عالمي شبه فوري. ولم يعد الدبلوماسي مسؤولًا فقط عن التواصل مع الحكومات الأجنبية، بل أصبح مطالبًا أيضًا بالتفاعل مع المنظمات الدولية، ومواجهة السرديات الإعلامية، والتواصل مع مواطنيه، والتكيف مع المتغيرات العالمية المتسارعة. وهكذا أصبحت الدبلوماسية أسرع وأكثر تعقيدًا وأكثر تطلبًا من أي وقت مضى.

وبالنسبة إلى دول مثل لبنان، يفرض هذا الواقع تحديات وفرصًا في آن واحد. فبلدنا يقع في واحدة من أكثر المناطق الجيوسياسية ديناميكية في العالم، حيث يمكن لأي تطور إقليمي أن ينعكس سريعًا على اقتصادنا وأمننا وعلاقاتنا الدولية. وبغض النظر عن المواقف السياسية، تبقى الدبلوماسية من أهم الأدوات التي تملكها الدولة لحماية مصالحها الوطنية، وخفض التوتر، وتعزيز الشراكات، وخلق فرص للتعاون المستقبلي. فكل تفاوض ناجح يبدأ بفهم مصالح جميع الأطراف، وتحديد نقاط الالتقاء، وبناء الحد الأدنى من الثقة الذي يُبقي قنوات التواصل مفتوحة.
ولهذا، لا ينبغي النظر إلى الدبلوماسية بوصفها علامة ضعف، بل على العكس، فهي واحدة من أقوى الأدوات التي تمتلكها الدول. فهي تتطلب الصبر، والإعداد، والذكاء الثقافي، والتواصل الاستراتيجي، والانضباط العاطفي، والقدرة على التفكير إلى ما بعد عناوين اليوم. وهي تطرح الأسئلة الصعبة قبل تقديم الإجابات السهلة، وتدرك أن الحلول المستدامة لا تُنجز بين ليلة وضحاها.

لذلك، قبل أن نحكم على الاجتماع الدبلوماسي المقبل، أو جولة التفاوض المقبلة، أو أي اتفاق دولي يخص لبنان، ربما علينا أولًا أن نفهم طبيعة هذه المهنة. فالدبلوماسية ليست تنازلًا عن المصالح، ولا هروبًا من النقاشات الصعبة، بل هي حماية للمصلحة الوطنية عبر التواصل قبل الصراع، والفهم قبل الإقناع، والثقة قبل الاتفاق.

وفي عالم لا يتوقف عن التواصل، لم يعد لدى الدبلوماسيين وقت لالتقاط أنفاسهم. لكن قدرتهم على الإصغاء، والتفاوض، وبناء العلاقات، قد تكون من أثمن الأدوات التي تمتلكها أي دولة لصناعة مستقبل أكثر استقرارًا.