بعد سبع سنوات ما زلت أصدّق حلم 17 تشرين

بعد سبع سنوات ما زلت أصدّق حلم 17 تشرين

كان صيف 2019 غريباً. لا لأن أحداً كان يعرف ما سيحدث، بل لأن أشياء كثيرة كانت تقول إن شيئاً ما لم يعد قادراً على الاستمرار. كنا نسمع تحذيرات من انهيار اقتصادي كبير، ثم نسمع من يخفف من حجم الخطر أو يقدّم تفسيراً مختلفاً. وفي بعض أيام الأحد، كان بعض العشرات ونادرًا المئات ينزلون إلى ساحة رياض الصلح في بيروت للاحتجاج. كان الحديث عن البنزين والمازوت والوضع المالي، كما القروض من جهات دولية إلى لبنان يدخل شيئاً فشيئاً في الأحاديث اليومية، فيما بقيت الكهرباء، مثل أشياء كثيرة مشكلة قديمة اعتدناها إلى درجة أنها كادت تبدو جزءاً طبيعياً من الحياة.

كانت العلامات أمامنا، لكن حجمها لم يكن قد دخل حياتنا بعد. كلمة “انهيار” كانت تُقال كثيراً، لكنها بقيت كلمة تصلح للتحليلات والنشرات الاقتصادية أكثر مما تصلح لوصف صباح عادي في حياة شخص. أظن أن الإنسان لا يتخيّل بسهولة أن الأشياء التي اعتادها، حتى السيئ منها، يمكن أن تسقط كلها دفعة واحدة. كنا نعرف أن هناك خطراً. لم نكن نعرف بعد كيف يبدو الخطر حين يصبح حياة يومية.

عشيّة 17 تشرين الأول، كنت على شرفة صديق، وفجأةً رأينا نيراناً على أوتوستراد المتن السريع. استطلعنا الأخبار، ثم بدأت الصورة تتّسع: طرق مقطوعة في مناطق مختلفة، أشخاص ينزلون إلى الشارع، غضب لم يعد موجوداً فقط في الأحاديث الخاصة، وعبارة تتكرر بسرعة: “كلّن يعني كلّن”. بدأت أتحدث مع أصدقائي عبر مجموعات المحادثة. لم يكن الغضب يحتاج إلى كثير من الشرح.

كانت ضريبة واتساب الشرارة، لكنها لم تكن الحكاية. لا يمكن لرسم على تطبيق أن يفسّر وحده ذلك الانفجار لو لم تكن قد سبقته سنوات من الشعور بأننا ندفع ثمن بلد لا نحصل منه على الحد الأدنى الذي يجعل الدولة مفهومة: كهرباء، مؤسسات تعمل، فرص يمكن البناء عليها، ووعود يعاد تدويرها كل بضع سنوات.

وبالنسبة إلى جيلي، كان هناك شيء آخر يصعب قياسه بالأرقام. كنا ننظر إلى شباب في بقع أخرى من العالم، يبدأون حياتهم، يعملون، يخططون، يجرّبون، يفشلون ثم يعيدون المحاولة. لم أكن أعتقد أن العالم خارج لبنان جنة، ولا أن الناس هناك بلا مشاكل. لكن الحياة نفسها بدت هناك ممكنة بطريقة لم تعد تبدو طبيعية عندنا. في لبنان، كان جزء كبير من الطاقة يذهب إلى محاولة الوصول إلى نقطة البداية.

حين تراجعت الحدود

ذهبت أنا وصديقي إليو إلى أقرب نقطة احتجاج، وكان معظم الموجودين هناك من المسلمين الشيعة. لم نشعر أن وجودنا بينهم يحتاج إلى تفسير، ولم يشعروا بأن الصلبان المعلّقة حول أعناقنا تستحق أن تكون موضوعاً أصلاً. كنا نهتف الأشياء نفسها، ونحمل المخاوف نفسها، ونغضب من الأشياء نفسها.

الطائفية لم تختفِ في تلك الليلة ولا في الأسابيع التي تلتها، والاختلافات بقيت موجودة. لكنها، في تلك اللحظة التي عشتها، لم تقف بيننا. وفي بلد اعتادت فيه السياسة أن تحوّل الاختلاف إلى حدود، بقي ذلك المشهد في ذاكرتي لأن أحداً لم يحتج إلى أن يصبح شبيهاً بالآخر كي يقف إلى جانبه.

لا أعرف إن كان ممكناً بعد سبع سنوات أن أشرح تماماً لماذا كان هذا مهماً إلى هذا الحد. ربما لأن السياسة اللبنانية أمضت زمناً طويلاً وهي تقول لنا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إن ما يفصلنا أكثر أهمية مما يجمعنا. في تلك الليلة، لم نحتج إلى نقاش طويل كي نثبت العكس. لم نتفق على كل شيء، ولم نتحول إلى شعب بلا انقسامات، لكن شيئاً أكثر بساطة حدث: وقفنا معاً من دون أن يكون الاختلاف أول ما نراه في بعضنا.

بقيت في الشارع لأكثر من ستة أسابيع، وعندما أقول إنني عشت في الشارع، لا أقصد العبارة بالمعنى السياسي فقط. نمت في السيارات والخيم. أكلت مما كان يُقدّم لنا. بحثت عن برّاد أستطيع أن أضع فيه دوائي، وعن صابون أغسل به وجهي ويديّ.

هناك، بدأت الكلمات الكبيرة تفقد المسافة التي تفصلها عن الحياة. كنا نتحدث عن الدولة والنظام والمستقبل، وبقيت الكثير من التفاصيل في ذاكرتي أكثر من خطب كثيرة سمعتها. فقد بقي حجم النقاش الذي كان يدور بين الشباب أنفسهم. أشخاص لم يكونوا سياسيين ولا خبراء كانوا يسألون بجدية كيف تُبنى دولة تعمل، وما الذي يجعل مؤسسة أقوى من الأشخاص الذين يديرونها، وكيف يمكن للقانون أن يكون أعلى من الزعيم والطائفة، وكيف ينمو اقتصاد لا يطلب من شبابه أن يغادروا كي يجدوا فرصة. كنا نختلف كثيراً، ولم تكن إجاباتنا دائماً ناضجة أو مكتملة، لكنني اكتشفت يومها أن جيلاً قيل عنه طويلاً إنه غير مهتم بالشأن العام كان يفكر، أحياناً بعمق مدهش، في شكل البلد الذي يريد أن يعيش فيه. لم يكن الحديث فقط عن إسقاط من يحكم، بل عن السؤال الأصعب: ماذا نضع مكانه، وكيف نبني مجتمعاً لا يحتاج في كل أزمة إلى أن يبدأ من الصفر؟

ومع مرور الوقت، لم تكن الخسائر متشابهة. أنا خسرت عملي. آخرون حملوا إصابات بقيت معهم، وبعضهم خسر بصره، وبعضهم خسر حياته. لا أقول ذلك كي أحوّل تلك الأشهر إلى قصة بطولة أو إلى منافسة في الألم، ولا كي أضع كل هذه الخسائر في مستوى واحد. هي ليست كذلك. لكن من الصعب بعد كل ذلك أن نستعيد تلك الأيام كأنها مجرد صور جميلة عن شوارع امتلأت بالناس، ثم عاد الجميع إلى بيوتهم وعادت الحياة إلى مكانها.
لم تعد الحياة إلى مكانها.
وهذه، ربما، إحدى أكثر الأشياء التي يصعب شرحها لمن يتعامل مع 17 تشرين كحدث بدأ وانتهى. بعض الأحداث تنتهي في الشارع، لكنها تواصل حياتها داخل الناس.

عندما دخل التغيير إلى البرلمان

بعد سنوات، جاءت انتخابات 2022. فاز ثلاثة عشر نائباً صُنّفوا ضمن “قوى التغيير”. وبالنسبة إلى كثيرين ممن عاشوا 17 تشرين، لم يكن الأمر مجرد نتيجة انتخابية. كان فيه شيء من السؤال الذي حملناه معنا منذ الشارع: هل يمكن لشيء من ذلك الغضب، وذلك الشعور بأن البلد يمكن أن يكون مختلفاً، أن يدخل المؤسسات ويصبح فعلاً سياسياً؟

لم تستغرق الصورة وقتاً طويلاً كي تصبح أكثر تعقيداً. ظهرت خلافات في الخيارات وفي طرق العمل وفي العلاقة مع القوى السياسية الأخرى، ووصل الانقسام بعد أشهر إلى خروج أحد أعضاء الكتلة منها. لم تكن هذه الاختلافات في حد ذاتها خطيئة سياسية؛ فالسياسة لا تعني أن يصوّت ثلاثة عشر شخصاً بالطريقة نفسها إلى الأبد، ولا أعتقد أن كل من تعاون منهم مع قوى سياسية قائمة صار جزءاً منها تلقائياً.
لكن الخيبة لم تكن في وجود الاختلاف.
كانت في شيء أصعب.

في الشارع، كان من السهل نسبياً أن نعرف ما الذي نرفضه. كنا نرى منظومة حكم عاشت لعقود على إعادة إنتاج نفسها، ونرى خدمات لا تعمل، واقتصاداً يتداعى، وطبقة سياسية تطلب منا مزيداً من الصبر فيما يصبح المستقبل أكثر ضيقاً. أما داخل البرلمان، فلم يعد السؤال فقط: من نرفض؟ صار السؤال: ماذا نريد؟ وكيف نصل إليه؟ ومع من يمكن أن نعمل؟ وأين ينتهي التفاهم الضروري وتبدأ إعادة إنتاج الشيء نفسه الذي خرج الناس ضده؟

الغضب يستطيع أن يجمع أشخاصاً مختلفين بسرعة مدهشة. المشروع السياسي لا يملك هذه الرفاهية. يحتاج إلى قرارات، وإلى أولويات، وإلى قدرة على الاختلاف من دون التفكك، وإلى تسويات من دون أن تصبح التسوية هي المشروع نفسه.
هنا تغير بالنسبة إلي معنى “كلّن يعني كلّن”.

في 2019، كانت العبارة جواباً. بعد سنوات، أصبحت أيضاً سؤالاً.
إذا كنا نرفض هؤلاء جميعاً، فمن سيأتي بعدهم؟ ما الذي يجعل شخصاً قادراً على الاحتجاج قادراً أيضاً على الحكم؟ ومتى يكون التعاون السياسي ضرورة، ومتى يصبح شيئاً آخر؟ ومن يقرر أين يقع الخط الفاصل؟

ليس لأنني كنت أنتظر من ثلاثة عشر نائباً أن يغيّروا نظاماً كاملاً. ذلك لم يكن واقعياً. وليس لأنني أعتقد أن كل من أخفق في خيار سياسي أو اختلف مع زملائه قد خان الثورة. المسألة، بالنسبة إلي، أصعب من ذلك. لقد اكتشفنا أن القدرة على الاجتماع حول الرفض لا تعني بالضرورة أننا نملك تصوراً مشتركاً لما يجب أن يأتي بعده.
وربما لم نملك نحن أيضاً هذا الجواب عام 2019.
هذه الفكرة لا تجعل تلك اللحظة أقل صدقاً. لكنها تجعل النظر إليها بعد سبع سنوات أكثر نضجاً، وربما أكثر إيلاماً أيضاً.

سبع سنوات من الانتظار

لا أستطيع أن أنظر اليوم إلى 17 تشرين وأقنع نفسي بأنها انتصرت. ولا أحتاج إلى إعلان موتها كي أفهم الخيبة. اللحظة التي عشناها كانت حقيقية حتى لو لم تنتج البلد الذي تخيلناه. والخيبة التي جاءت بعدها حقيقية أيضاً، ولا يمحوها صدق تلك اللحظة.
ربما لهذا أشعر أن الكلمة التي تربط تلك السنوات كلها ليست “الثورة” وحدها، بل الانتظار.

في صيف 2019، كنا ننتظر أن نفهم إلى أين يتجه البلد. بعد 17 تشرين، انتظرنا أن يتحول الغضب إلى تغيير. بعد الانتخابات، انتظرنا أن نرى شيئاً من ذلك التغيير داخل المؤسسات. واليوم لا نزال ننتظر أن تتوقف الحرب، وننتظر سياسة لا تتعامل مع الإنسان كوقود لمشروع أكبر منه، وننتظر أشخاصاً يستطيعون أن يضعوا الإنسان قبل الدولة والأرض والحزب؛ لا لأن الدولة والأرض بلا قيمة، بل لأن قيمتهما تصبح سؤالاً حين يُطلب من الإنسان دائماً أن يدفع الثمن باسمهما.
وننتظر جيلاً يعرف كيف يفكر ويبني ويقود، من دون أن تتحول القيادة إلى صورة، أو مقعد، أو دور يُؤدّى أمام الكاميرا.

ربما تعلّمت خلال هذه السنوات أن المشكلة في الانتظار ليست دائماً في طول الوقت. أحياناً تكون في أن يطلب منك المكان الذي تعيش فيه أن تؤجل حياتك باستمرار: انتظر الحكومة المقبلة، والرئيس المقبل، والخطة المقبلة، والتسوية المقبلة، ونهاية الأزمة المقبلة، ثم ابدأ حياتك.
لكن السنوات نفسها لا تنتظر.
لقد فقدنا الأمل في هذا البلد، لا في أنفسنا.

وهذا الفرق مهم بالنسبة إلي. لم أفقد إيماني بقدرة الناس على التفكير أو العمل أو البناء. ولم أفقد إيماني بأن الإنسان يستطيع أن يعيد تشكيل حياته بعد الخسارة. ما فقدته هو الاستعداد لأن أطلب منا أن نعلّق حياتنا مرة أخرى إلى أن يصبح البلد جاهزاً لنا.
ربما لهذا لا أستطيع أن أتعامل مع 17 تشرين كذكرى أريد تمجيدها، ولا كخطأ أريد التبرؤ منه.
كانت لحظة رأيت فيها شيئاً حقيقياً.
في تلك الليلة، وفي الأيام التي تلتها، رأيت كيف يمكن لحدود بدت ثابتة جداً أن تتراجع، وكيف يمكن لأشخاص مختلفين أن يقفوا إلى جانب بعضهم من دون أن يحتاج أحدهم إلى تفسير نفسه للآخر. رأيت أشخاصاً يتصرفون، ولو لفترة قصيرة، كأن مستقبلهم مسألة مشتركة.

لا أعرف إن كان الطريق إلى بلد آخر يبدأ من شارع، أو من صندوق اقتراع، أو من جيل لم يصل بعد. ولا أعرف إن كان ما حدث في 2019 يمكن أن يتكرر بالشكل نفسه، أو إن كان يجب أن يتكرر أصلاً.
لكنني أعرف أنني رأيت مرة هذا البلد وهو يبدو ممكناً بطريقة لم أره بها من قبل.
بعد سبع سنوات، ما زلت أصدق تلك اللحظة.
ما أصبح أصعب هو أن أصدق أنها تستطيع أن تصبح حياة.